Sunday, June 4, 2017

السود العراقيون (الأفرو-عراقيون)

السود العراقيون
(هذا المقال يشهد الكثير من النقد)
إعداد: ريميل صومو
في ظل الوعي المتصاعد بالهوية في العراق بعد سنة 2003، طفت على السطح مشاكل جمة ناتجة عن تهميش وإقصاء بعض فئات المجتمع العراقي، هذه الفئات التي لطالما أدت ما عليها من واجبات، لكنها لم تحظى في المقابل بحقوقها المشروعة، من هذه الفئات نتناول في المقال التالي السود العراقيين.

يعود أصل السود العراقيين (الأفرو-عراقيين) إلى الزنوج، القادمين من بلاد الزنج، واسمها باللاتينية Zingium، والتي تعني أرض السواد، ويقصد بها إفريقيا الشرقية: الصومال وإثيوبيا والسودان وكينيا وتنزانيا.
ويعود تواجد هذه الفئة في بلاد الرافدين إلى القرن السابع (القرن الأول الهجري)، حيث جرى استقدامهم كعبيد بواسطة تجار عرب من أجل الخدمة والأعمال الشاقة، والأعمال العسكرية على حد سواء.

تمركزهم:

تتمركز هذه الفئة في البصرة وميسان وذي قار، وتوجد تجمعات قليلة منهم في بغداد وواسط، تتراوح أعدادهم من 500000 نسمة حتى المليون نسمة، غالبيتهم مسلمة شيعية، يتحدثون اللغة العربية باللهجة العراقية الجنوبية، وفي السابق كان في لهجتهم تلحين سواحلي اندثر بمرور الزمن.
مواطن عراقي أسود

حالتهم الإجتماعية:

جرت المتاجرة بالسود كعبيد منذ القرن السابع الميلادي حتى منتصف القرن التاسع عشر، عن طريق البصرة، التي اكتسبت أهميتها في التجارة كونها تحوز على أهم ميناء بحري في جنوب بلاد الرافدين (العراق حالياً)، وقد انصهر مجتمع السود العراقيين واكتسب عادات و تقاليد مجتمع جنوب بلاد الرافدين، وتطبع ”العبد الأسود“ بصفات مالكيه من تجار وأغنياء وشيوخ عشائر وشخصيات نافذة، حتى أن لغته الأم اختفت من ذاكرته، وانتمى لمعتقدات أصحابه، وحمل نسب العشائر التي كانت تملك أسلافه، القادمين من كينيا وتنزانيا والصومال والسودان وإثيوبيا.
عمل السود في ظروف سيئة وقاسية، كتجفيف الأهوار، وإزالة الطبقة الملحية ”السباخ“ عن التربة، لجعلها صالحة للزراعة، وتعين عليهم أن ينقلوا الملح المزال على ظهور البغال إلى الأسواق، ومنهم من استعمل في مزارع النخل وقصب السكر لاستخراج الدبس من التمر.
وعلى الرغم من تجريم العبودية في العراق عام 1924، في عهد الملك فيصل الأول، إلا أن نظرة الاحتقار بقيت تلاحقهم، فلم يتمكن أطفالهم من دخول المدارس الحكومية حتى العام 1960، ولم يسبق لعراقي أسود أن تقلد منصباً رفيعاً في الحكومة، كما لم يكن لهم ممثلون في مجالس المحافظات أو في البرلمان العراقي، فبقوا يشغلون وظائف خدمية في المطاعم والمصانع وغيرها، كالتنظيف والبناء والحراسة والنقل.
على الرغم من ندرة حالات الزواج والمصاهرة بينهم وبين البيض، فإنها وإن تمت ستسفر عن مواليد يطلق عليهم اسم ”المولدين“ الذين لا تقل نظرة الازدراء تجاههم حدة عن تلك التي تلاحق أسلافهم، ويذهب بعض العراقيين إلى أبعد من ذلك بنعتهم بالعبيد، حتى أن لفظة ”عبد“ كثيرا ما اقترنت بسواد البشرة في قاموس معظم كبار السن والشيوخ العراقيين.
الراحل الشهيد جلال ذياب، المُلقب بمارتن لوثر كينگ البصرة، مؤسس حركة العراقيين الحرة.

السود العراقيون سياسياً:

يعود أقدم تحرك سياسي للسود في بلاد الرافدين إلى الفترة ما بين القرنين السابع والتاسع، حين قاموا بثلاث انتفاضات، أكبرها وأشهرها ما يُعرف بـ”ثورة الزنج“ بين عامي 868 و883 م. بقيادة علي بن محمد، قادت إلى تأسيس حكم ذاتي سياسي، وبروز عاصمتهم (مدينة المختارة)، التي حاصرت المدن في الجنوب، منها البصرة، وحل الدمار والخراب وقتل الآلاف نتيجة هذا التمرد، ومنه جاءت عبارة ”بعد خراب البصرة“، وقد أُنهي التمرد نهائياً في سنة 883، بسحقه من طرف السلطة العباسية، التي عادت لتفرض سيطرتها في المنطقة، وكعقاب على تلك الانتفاضات، تم تشتيت وتوزيع السود بين العوائل والعشائر لطمس هويتهم وقتل روح التمرد فيهم من خلال إقناعهم أنهم عبيد بالفطرة، وأن العبودية قدرهم المحتوم.
وعبر هذا التاريخ الطويل المنسي، لم تقم لهم قائمة، فعقوبة ثورتهم كانت موجعة، أضعفتهم وشتت شملهم، حتى بعد سقوط النظام العراقي السابق في عام 2003، حيث ظهر مارتن لوثر كينغ البصرة: ”جلال ذياب“، الذي تزعم قيادة المجتمع الأفرو-عراقي، فتم تأسيس ”جمعية أنصار الحرية الإنسانية“ على المستوى المدني الاجتماعي، وتبلورت رؤيته السياسية بين عامي 2005 و2007 لتتأسس ”حركة العراقيين الحرة“، وهي حركة مدنية علمانية خاصة بالسود تحذو حذو حركة الحقوق المدنية الأمريكية لإحقاق العدالة والمساواة ورفع التمييز العنصري، والاعتراف بوجودهم وحقوقهم كأقلية والخوض في المضمار السياسي.
انتهت هذه النهضة السياسية للسود العراقيين بمجرد اغتيال قائدهم، فقد تم اغتيال جلال ذياب يوم الجمعة بتاريخ 26/04/2013 في البصرة، وأخمدت بذلك الشعلة العراقية السوداء، التي مهدت لطريق مدني علماني، خالي من العنصرية العرقية.

السود العراقيون ثقافياً:

حافظ السود العراقيون على موروثهم الفلكلوري الموسيقي، وبمسمياته الإفريقية الأصلية، مثل معزوفات (بيب، وانكروكا، وجونباسا، والليوة والنوبان)، وتختلف هذه المعزوفات عن بعضها حسب اختلاف الآلات الموسيقية المستخدمة فيها، وهي عبارة عن إيقاعات تُصنع من سيقان الشجر بعد تجويفها أو تغليف بعضها من الطرفين، والبعض الآخر من طرف واحد بجلود الحيوانات. من أشهر هذه الآلات (امصوندو، وكيكانكا، ووباتو، والصرناي)، ويشارك المغنين في أدائهم راقصون من كلا الجنسين، بعضهم يرتدي أحزمة مزينة بأطراف وجلود حيوانات محنطة، والتي تمنح للأغنية نغمة إضافية ناتجة عن ارتطام هذه الأطراف بعضها ببعض أثناء الرقص.
ويطلق على الأماكن المخصصة لأداء الطقوس الاحتفالية الفلكلورية بـ”المكايد“، ومفردها ”مكيد“، ومن المكايد التي اشتهرت بالبصرة: مكيد انيكا، ومكيد أبو ناظم، ومكيد سعيد منصور، ومكيد أميك. وكان أشهر الفنانين ممن ابتدؤوا مشوارهم الموسيقي بالمكايد قد انضموا إلى فرقة البصرة الشعبية عند تأسيسها في عام 1975.
وختاماً، تجدر الإشارة إلى أن هذه الفئة قدمت الكثير للجنوب العراقي برقصاتها وتراثها الفلكلوري، على الرغم مما كانت تعانيه من فقر وعوز وجهل. هذه الأوضاع المزرية التي أراد جلال ذياب أن يكافحها من خلال جميعته ومدرسته المخصصتان للسود، كما أراد أن يكون المواطن الأسود قادراً على ممارسة حياته الطبيعية اجتماعياً وسياسياً من خلال الترشح في الانتخابات، وباغتياله أجهضت أحلام السود العراقيين وتشتتت رابطتهم وانطفأت شعلتهم.

No comments:

Post a Comment