غالباً ما يُواجه القارئ المتبحر في الفلسفة ومناهج العلوم ارتباكاً دلالياً عند الاصطدام بمصطلح "الإبستمولوجيا" (Epistemology). للوهلة الأولى، يبدو المصطلح موحداً لغوياً، فهو ينحدر من الجذر اليوناني الذي يجمع بين كلمة "إبستيمي" (المعرفة الواثقة أو العلم) وكلمة "لوغوس" (المنطق أو الخطاب). ولكن بمجرد الغوص في التراث الفلسفي الغربي، يتضح أن هذا الجذر الواحد قد انشطر تاريخياً ليؤسس لمشروعين فكريين متمايزين تماماً يفصل بينهما بحر المانش: المدرسة الأنجلوسكسونية من جهة، والمدرسة الفرانكفونية من جهة أخرى.
تُعرّف المدرسة الأنجلوسكسونية الإبستمولوجيا بوصفها "نظرية المعرفة" (Theory of Knowledge) بمعناها الأوسع والأشمل. في هذا السياق، الذي تبلور عبر الفلسفة التجريبية البريطانية مع مفكرين أمثال جون لوك وديفيد هيوم وصولاً إلى الفلاسفة التحليليين المعاصرين، لا يقتصر البحث على المعرفة العلمية فقط، بل يتمدد ليشمل شروط المعرفة الإنسانية عموماً، حدودها، مصادرها، وطبيعة الاعتقاد، والتبرير، والإدراك الحسي. الإبستمولوجيا هنا هي مبحث فلسفي كلاسيكي يسأل: كيف نعرف ما نعرف؟ وما الذي يبرر ادعاءنا بامتلاك حقيقة ما، سواء كانت حقيقة يومية عادية أو حقيقة رياضية معقدة؟
على النقيض من ذلك، يتخذ العقل الفلسفي الفرنسي مساراً شديد التخصص والتحديد. فالإبستمولوجيا في التقليد الفرانكفوني، كما صاغها ونظّر لها فلاسفة أمثال أندريه لالاند، وغاستون باشلار، وجورج كانغيلام، وصولاً إلى جان بياجيه، تعني حصراً "فلسفة العلوم" أو "الدراسة النقدية لمبادئ العلوم وتاريخها ونتائجها". هنا، تقطع الإبستمولوجيا صلتها بنظرية المعرفة العامة التي تدرس الإدراك العادي، لتركز مجهرها على المعرفة "العالمة" وحدها. إنها تدرس كيف تُبنى المفاهيم داخل مختبرات الفيزياء، وكيف تتطور النظريات البيولوجية، وكيف تحدث الأزمات في الرياضيات. الممارسة الإبستمولوجية الفرنسية ملتحمة عضوياً بتاريخ العلوم المخصوص، وترفض التعميم الفلسفي المجرد الذي لا يتكئ على تاريخ تطور المنهج العلمي ذاته.
هذا التباين هو اختلاف في زاوية النظر للممارسة العقلية. فبينما يرى الفيلسوف الإنجليزي أن دراسة "العقل" كافية لفهم المعرفة، يرى الفيلسوف الفرنسي أن دراسة "تاريخ العلم المتخصص" هي المدخل الوحيد الموثوق لاختبار قدرات هذا العقل.
على الرغم من وضوح هذا الانقسام الكلاسيكي، يرى العديد من مؤرخي الفلسفة المعاصرين أن هذا التباين الجغرافي واللغوي بدأ يفقد حدته في العقود الأخيرة. يُطرح نقد قوي يرى أن الفصل التعسفي بين "نظرية المعرفة العامة" و"فلسفة العلم" هو فصل مصطنع؛ إذ لا يمكن نقد أسس المنهج العلمي (على الطريقة الفرنسية) دون الاستناد إلى نظرية أعم حول طبيعة الإدراك واليقين (على الطريقة الأنجلوسكسونية). مفكرون مثل كارل بوبر، رغم انتمائهم لبيئة أقرب للتحليلية، مارسوا نوعاً من الإبستمولوجيا يدمج بين نقد العلم وتأسيس نظرية عامة للمعرفة، مما يشير إلى أن المعرفة الإنسانية، سواء كانت فطرية أو معملية، تعمل وفق آليات نقدية متداخلة لا تعترف بالحدود المدرسية الصارمة.
في النهاية، يظل فهم هذا التباين المفاهيمي أداة ضرورية لكل باحث؛ فالكلمة ذاتها قد تفتح باباً نحو التأمل في الحواس والشك، أو باباً آخر نحو تشريح آليات الفيزياء المعاصرة وثوراتها المنهجية.

No comments:
Post a Comment