ألّف أكاديمي
ياباني كتابًا مفاجئًا من أكثر الكتب مبيعًا محفِّزًا جيلاً جديدًا من القراء
للتأمّل في أفكار الفيلسوف الألماني كارل ماركس. ويقول الأكاديمي سايتو كوهيئي إن
أفكار ماركس في السنوات الأخيرة من حياته تحدّثنا عن طبيعة المجتمع الذي ينبغي أن
نسعى لإقامته في فترة ما بعد فيروس كورونا.
ويقول سايتو
كوهيئي إن جائحة فيروس كورونا ظهرت كدليل على وجود "إشكالية" في
الرأسمالية العالمية. وقد بيعت من كتابه الذي يحمل العنوان "رأس المال في
الأنثروبوسين" حوالي 400 ألف نسخة في اليابان منذ نشره عام 2020.
وفيه يأخذ
سايتو التحذير الصادر عن ماركس منذ حوالي 150 عامًا حول الرأسمالية غير المقيّدة،
ليشرح أزمة المناخ التي نواجهها الآن.
سايتو، الذي
يبلغ من العمر 35 عامًا، أستاذ مشارك بجامعة مدينة أوساكا، وقد سبق له أن اكتسب
شهرة كمترجم للأفكار الماركسية للعالم المعاصر.
وفي عام 2018، فاز بالجائزة التذكارية الألمانية – وهي جائزة سنوية تُعطَى تكريمًا للكتابات الجديدة والمبتكرة حول الماركسية – عن كتاب له عنوانه "الاشتراكية البيئية لكارل ماركس" يعتمد فيه على بعض ملاحظات الفيلسوف الألماني غير المنشورة.
يَرى المؤلّف
سايتو كوهيئي أننا لكي نفهم تمامًا نطاق تقييم ماركس للاقتصاد السياسي ، ينبغي ألا
نغفل عن بُعده البيئي.
وقد أجرت
NHK World مقابلة مع سايتو لمعرفة المزيد عمّا يعتقده من أن أفكار
ماركس يمكن أن تقدّم شرحًا حول العالم المعاصر والتي يقول فيها إن الرأسمالية وصلت
إلى حدّها النهائي.
حدود
الرأسمالية
يقول سايتو إن
"هذا العصر، الأنثروبوسين ، هو حقبة جيولوجية تؤثّر خلالها الأنشطة الاقتصادية
للبشر على كوكب الأرض بأكمله ، متسبّبة في تدمير الكوكب. فمن خلال الرأسمالية
العالمية ، أقمنا مجتمعًا مزدهرًا عن طريق التنقيب عن موارد جديدة ، والترويج
للإنتاج والاستهلاك بالجملة. لكننا نعرف الآن أن ذلك سبّب إشكالية".
"إنها إشكالية
ظهرت في صورة جائحة فيروس كورونا. والخبر المؤسف هو أن فيروس كورونا المستجد لن
يكون آخر ، أو أسوأ ، الأزمات التي نواجهها. والتغيّر المناخي أشدّ قسوة منه".
"تشق
الرأسمالية طريقها مع بذل الدول المتقدّمة جهودًا لا تعرف الكلل لفتح جبهات جديدة
للوصول إلى أيدٍ عاملة وموارد طبيعية رخيصة. إن الرأسمالية كما يُعرّفها ماركس هي
هذه المساعي التي لا تنتهي لزيادة القِيَم والثروة".
ويقول سايتو
إن الدول المتقدّمة نقلت الأعباء المترتبة على تكاليف نموّها ، مثل التلوّث
وانبعاثات غازات الكربون وتدمير النظام البيئي – إلى مناطق أخرى.
ويضيف سايتو
قائلاً إنه "في عصر الأنثروبوسين هذا لم يَعُد هناك وجود لأي جبهات
لاستغلالها. ونحن نرى الآن الأعاصير في الولايات المتحدة والأحوال الجوية شديدة
القسوة في أوروبا، تمامًا كما هو الحال في أي مكان آخر من العالم. وحتى لو كنت
تعيش في دولة متقدّمة فليس هناك مفرّ من أزمة مثل جائحة فيروس كورونا، أو التغيّر
المناخي".
"ماذا لو
استمرّت الرأسمالية في محاولاتها للتوسّع لمجرّد المحافظة على نظامها؟ تلك هي
النقطة التي نحتاج عندها لاستخدام مكابح الطوارئ".
يقول سايتو
كوهيئي إن إشكالية المجتمع المعاصر تظهر بوضوح في جائحة فيروس كورونا وأزمة المناخ.
وعبّر سايتو
صراحة عن تشكّكه في سياسات "الصفقة الجديدة الخضراء" التي تحاول أن
تَعِد بتحقيق المنافع الاقتصادية والبيئية معًا.
ويقول سايتو
إن "استهلاك الطاقة والموارد يستمر في التزايد مع النمو في الاقتصاد.
وللتعامل مع التغيّر المناخي، نحتاج لتحقيق خفض جذري في انبعاثات غاز ثاني أوكسيد
الكربون. لكنني لا أعتقد أنه يمكننا إدارة النمو الاقتصادي في الوقت ذاته. ويجب
علينا نحن الذين نعيش في دول متقدّمة إيجاد طريقة للإبطاء وصولاً إلى اقتصاديات
مستدامة وفي حالة منتظمة".
"إذا أنتجنا
كميات كبيرة من المركبات الكهربائية أو الألواح الشمسية أو التوربينات التي تعمل
بطاقة الريح فسنحتاج لاستغلال موارد محدودة، مثل الليثيوم، والتي تتمثّل مصادرها
الرئيسية في مناطق العالم الأقل تقدّمًا. وأخشى أن يؤدّي مثل هذا الوضع إلى ظهور
شكل جديد من أشكال الإمبريالية".
ماركس
و"الاشتراكية البيئية"
يدرس سايتو
وأكاديميون آخرون مخطوطات ماركس غير المنشورة التي كتبها في مراحل متأخّرة من
عمره. وتشمل الملاحظات دراسة ماركس للعلوم الطبيعية. وتبيّن تحديدًا اهتمامه
الشديد بأنواع المجتمعات التي كانت موجودة قبل نشأة الرأسمالية، ومن ضمنها تجمّع
زراعي ذي حكم ذاتي في روسيا ومجتمع محلي من القرون الوسطى في ألمانيا.
"في هذه
الملاحظات أرى أن ماركس يحاول رسم تصوّر لمجتمع ما بعد الرأسمالية. وهناك فكرة
يمكن أن تُوصَف بأنها "الاشتراكية البيئية" التي تُوْلي أهمية للاستدامة
والمساواة الاجتماعية" على حدّ قوله. ويضيف قائلاً "إنني أحاول تخيُّل
مجتمع مستقبلي بالرجوع إلى فلسفته".
اكتشف سايتو
كوهيئي أفكار ماركس البيئية في ملاحظات غير منشورة كُتِبَت في مراحل عمره
المتأخّرة.
ويقول سايتو
إن لدى ماركس فكرة تسمّى "المشاعات" والتي تعني الأشياء الضرورية
لحياتنا اليومية، مثل الماء والكهرباء والتعليم والرعاية الطبية. وكانت هذه
الأشياء تدار معًا من قِبَل مجتمع محلي ومتاحة لكل إنسان وكل إنسان قبل الرأسمالية.
"ونَجِد أنفسنا
الآن في وضع قامت فيه الرأسمالية بتحويل كل شيء إلى سلعة أو جعلت كل شيء على الأرض
محصورًا في نطاق يرمي إلى تحقيق الربح ومتاح للأثرياء فقط،" على حدّ تعبيره
صاغ كارل
ماركس مصطلح "مشاعات" للأشياء الضرورية لحياتنا اليومية والتي تدار من
قِبَل المجتمع المحلي. ويقول
سايتو إن غالبية هذه الأشياء أصبحت الآن مخصّصة
لتحقيق الربح.
ويضيف سايتو
قوله إن ماركس كان يعتقد أنه ينبغي أن يكون هناك إجراء للرقابة على هذه
"المشاعات" وإعادة إنشائها، ولكن ليس من خلال الخصخصة (التحويل إلى
ملكية القطاع الخاص) ولا من خلال التأميم (التحويل إلى ملكية الدولة). ويضيف سايتو
قوله إنه يعتقد أنه ينبغي للمواطنين الآن أن يتشاركوا ويديروا هذه السلع العامة
التي تنتمي للـ "مشاعات" بطريقة ديمقراطية، بدلاً من تركها لعوامل السوق.
"كان ماركس
أيضًا ينظر إلى كوكب الأرض على أنها "مشاع" واحد، لكنه كان يخشى أن
تتمكّن قوى الإنتاج والاستهلاك في النهاية من تدمير تلك الوضعية،" على حدّ
تعبير سايتو.
ويضيف قائلاً
"على أساس من أفكاره، أعتقد أن الثروة الموجودة الآن قد تكون كافية لمطالب
الناس بالتشارك. وإذا استطعنا أن نزيد عدد هذه "المشاعات"، يمكننا أن
نقيم المجتمع المستدام الذي تسوده المساواة كما كان ماركس يحلم به".
No comments:
Post a Comment