Mohamed Qadry
قصة الخاتون السمراء صاحبة السيرة اللافتة.
الجارية "اتفاق" العوادة السودانية
القادمة من بلبيس إلى القاهرة
والتي تزوجها ثلاثة من ملوك مصر (إخوة من أسرة قلاوون)
وأن بياض اللفت حمل بدرهم!
وأن سواد العين لا شك نورها
وأن بياض العين لا شيء فافهم
(من شعر ألف ليلة وليلة لجارية سمراء ساحرة تفاخر بجمالها)
صباح الخير
تناولنا سابقا على هذه الصفحة الشخصية وكذا صفحة تراثنا نماذجا من الخواتين من زوجات سلاطين المماليك مثل أردوكين وطغاي وطولبية وهن من المتمصرات ذوات الأصول المغولية والأخيرة تحديدا من حفيدات جنكيز خان ... وتطرقنا إلى موضوع أهلنا الأفارقة المتمصرين من السودان والتكرور في الغرب الإفريقي.. تضمن الإشارة إلى السيدة "رصد" السودانية والدة الخليفة المستنصر الفاطمي والسيدة "ورد المنى" السودانية والدة الصالح نجم الدين أيوب الكردي.
وتعلمنا من فيض علم أستاذنا الموسوعي الجليل دكتور محمد الششتاوي حفظه الله Mohammed Shesh ما يلي بشأن الجارية "اتفاق" العوادة السودانية التي تزوجت من ثلاث إخوة تسلطنوا على عرش مصر وختمت حياتها بالزواج من أحد الوزراء الكبار.. وقد كفانا عناء البحث فعنه ننقل قصتها اللافتة من هامش دفتر السيرة المملوكية وكواليس أحداث القصور.
كان السلطان الملك الناصر محمد ابن قلاوون أعظم سلاطين المماليك وأكثرهم عمرانا وتعميرا هو صاحب أطول مدة حكم في سلاطين المماليك، إذ حكم ثلاث مرات بلغ مجموع سنين حكمه 43 سنة و8 أشهر ويوما واحدا.
بينما بلغ مجموع مدد حكم أولاده السلاطين الثمانية الذين خلفوه في الحكم 20 سنة و4 شهور فقط، وقد كانوا سفهاء انشغلوا باللهو واقتصروا على الانهماك في الملذات فقط،
لذلك لم يستطيعوا الاحتفاظ بملكهم وكانت نهايتهم جميعا القتل ما عدا احدهم فإنه مات بانهيار عصبي نتيجة رؤيته لرأس أخيه المقطوعة بأمره، ومنهم من انشغل بالمردان ومارس الشذوذ فكانوا سببا في قتله مثل الناصر أحمد،
كما نلفت النظر إلى أن ثلاثة هم :
الصالح إسماعيل (المريض) والكامل شعبان (الماجن) والمظفر حاجي (السفاح) قد انشغلوا وشغفوا بمغنية وعوادة تسمي اتفاق كانت سببا رئيسا في ضياع ملكهم.
واتفاق هذه كانت جارية سودانية شديدة السمرة، اشترتها ضامنة المغاني بالقاهرة بأقل من 400 درهم فقط من ضامنة المغاني بمدينة بلبيس؛
ونظام "الضمان" في العصر المملوكي هو أن يقدم أحد الاشخاص مالا مقدما للدولة نظير هيمنته وسيطرته ومسؤولياته عن جهة من الجهات أو مهنة من المهن او الحرف، ثم يقوم هو بتحصيل ما دفعه ومكسبه من خلال أهل الجهة أو المهنة او المصلحة التي ضمنها.
ولما جلبت ضامنة المغاني بالقاهرة" اتفاق" هذه إلي القاهرة علمتها الضرب بالعود على يد العواد "عيد علي العجمي" فمهرت فيه، وكانت اتفاق حسنة الصوت جيدة الغناء، فقدمتها ضامنة المغاني لبيت السلطان الملك الصالح إسماعيل ابن الناصر محمد ابن قلاوون، فاشتهرت فيه حتي شغف بها الصالح حبا ولم يطق البعد عنها وتزوجها وقضي معها اغلب أوقاته وأهمل شؤون الحكم!
ووطدت" اتفاق" قدمها في القصر السلطاني بعد أن أنجبت ولدا ذكرا، وقد قابل السلطان هذا الحادث السعيد بالبشر والفرح، وأقام الحفلات الحافلة بقاعة الدهيشة... وبذلك صارت «اتفاق» أم ولد لا تباع ولا تهدي، وتصير بعد وفاة زوجها حرة
ولما قتل السلطان المذكور تولي السلطنة بعده أخوه "الكامل شعبان"، فبيت "اتفاق" عنده من ليلته لما كان في نفسه منها أيام أخيه ! وتزوجها هو الآخر، ونالت من الحظوة والسعادة ما لم يعرف في زمانها لامرأة غيرها.
وكان الملك الكامل شعبان متزوجا من بنت الأمير بكتمر الساقي، غير أنه طلقها وتزوج بأختها، وأنجب منها ولدا ذكرا سرعان ما أدركه الردى ومات، ثم ولدت له "اتفاق" ولدا ذكرا اسماه "شاهنشاه"، فسر به سرورا زائدا، وأقام له الأفراح سبعة أيام، أما "اتفاق" فقد اقبلت عليها الدنيا، وجدد السرور نفسها،
حتى إنه عمل لها "داير بيت" - أي القماش المحيط بسرير النوم - طوله 42 ذراع وعرضه 6 أذرع، وفيه من خيوط الذهب والفضة ما تكلف 95 ألف دينار مصرية، سوي البشخاناه (وهي الناموسية) والمخاد والمساند، وكان لها 40 بدلة ثياب مرصعة بالجواهر، و16 بدلة بداير زركش، و80 مقنعة (أي برقع) فيها ما قيمته 20 ألف درهم وأقلها 5 آلاف درهم ، إلي غير ذلك مما يجب وصفه.
وهكذا أغدق عليها الملك الكامل، وجعل أيامها أطيب وأجمل من عهد أخيه الراحل، وباتت "اتفاق" ترفل فى ملابس مُوشَّاة بالأحجار الكريمة والذهب.
ولما قتل الكامل شعبان وتولي بعده "المظفر حاجي" أمر بإنزال أم الملك الكامل وحريمه من القلعة، فأنزلهن ومعهن "اتفاق"، وصودرت ممتلكاتهن، ولكن لم يطل بقاء "اتفاق" خارج القلعة، فبعد شهور قلائل أمر الملك المظفر بعودتها إلى القلعة، فطلعت مع جواريها وخدامها، وتزوجها المظفر في الخفاء، وعقد له شهاب الدين أحمد بن يحيى الجوجري شاهد الخزانة (نسبة لقرية جوجر التابعة لمركز طلخا)، ثم بنى بها من ليلته بعدما جلبت له، ونثر عليها الذهب، ثم ضربت بعودها وغنت، فأنعم عليها بأربعة فصوص وست لؤلؤات ثمنها 400 ألف درهم وستين شقة أطلس!
(بصوا.. صراحة أنا مش عارف يعني إيه "شقة أطلس" بس واضح انها حاجة حلوة جدا
.)
(تعديل: أفادنا الدكتور محمد الششتاوي حفظه الله أن "شقة أطلس" هي أحسن وأغلى مقاطع الحرير الطبيعي)
وانهمك السلطان في اللهو وشغف قلبه بفرط حبه لها، فشق ذلك علي الأمراء والمماليك عدم اهتمامه بشؤون الدولة وتفرده باتفاق وغيرها من المغنيات، فأراد القبض علي جماعة منهم لولا حذره الأمير أرقطاي مغبة هذا .
وحتي يرأب الصدع مع الأمراء أمر بإنزال ثلاث نساء من القلعة من بينهن اتفاق، بما عليهن من الثياب مع تجريدهن من الجواهر، وأن تقلع اتفاق عصابتها (التي تربطها على رأسها ودي ليها حكاية مستفزة جدا هنحكيها بعد شوية)،
حيث يذكر بن تغرى بردي فى كتابه "النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة" ما يلي:
"... وسبب إخراج" اتفاق" وهؤلاء من الدور السلطانية أن الأمراء الخاصكية" قرابغا" و" صمغار"، وغيرهما، بلغهم إنكار الأمراء الكبار والمماليك السلطانية، شدة شغف السلطان بالنسوة الثلاث المذكورات، وانهماكه على اللهو بهن، وانقطاعه إليهن بقاعة الدهيشة عن الأمراء، وإتلافه الأموال العظيمة فى العطاء لهن ولأمثالهن، وإعراضه عن تدبير الملك.
فعرف السلطان إنكار الأمراء، وخوَّفُوه عاقبة ذلك، فتلطف بهم وصوب ما أشاروا به عليه من الإقلاع عن اللهو بالنساء. وأخرجهن السلطان وفى نفسه حزازات لفراقهن، تمنعه من الهدوء والصبر عنهن، فأحب أن يتعوض عنهن بما يلهيه ويسليه، فاختار صنف الحمام، وأنشأ حضيراً على الدهيشة، ركَّبَه على صوارى وأخشاب عالية، وملأه بأنواع الحمام، فبلغ مصروف الحضير خاصة سبعة آلاف درهم".
(يعني ساب الجواري شوية وعمل غية حمام وانشغل بيها !)
عموما لم يكن قرار انزال اتفاق نهائيا، وإنما كان لفترة يقتل فيها السلطان أعداءه، ثم تعود المسرات إلي القلعة، وبالفعل قتل عددا من المماليك، وهدد بذبح الآخرين، ولكن الأمراء المماليك لم يمكنوه من فعل شيء مهم، فقد اقتتلوا معه، وفر من أمامهم، وأمسكوا به وذبحوه!
أما قصة عصابة رأس اتفاق العوادة (أي شريط تلف به رأسها) فقد اشتهر عند الناس كلها (بقت قضية رأى عام يعني
) حتى أن الامراء شنعوا علي السلاطين الثلاثة الذين تزوجوا اتفاق بسبب تكلفته، فإن السلاطين (الصالح إسماعيل ، والكامل شعبان، والمظفر حاجي) تنافسوا تباعا في تزيين هذه العصابة! واعتنوا بجواهرها حتي بلغت قيمتها زيادة علي 100 ألف دينار مصرية وهو مبلغ ضخم جدا في ذلك العصر.
هذا وقد أهدى هؤلاء جميعا "لاتفاق العوادة" الدور والقاعات الفخمة والبساتين والطواحين والمعاصر مما كانوا يصادرونه من الأمراء المغضوب عليهم فتفاقم ثرائها بتلك الأموال
ثم تسلطن أخوهم الرابع السلطان الملك الناصر حسن
(لا.. ما تخافوش.. ده بأة ما اتجوزهاش
)
ففي أيامه أخرجت اتفاق من القلعة، بل وقطعت رواتبها،
(ما تزعلوش قوي كدة)
فتزوجها الوزير موفق الدين هبة الله بن السعيد إبراهيم، وكان كاتبا، واختاره الملك الصالح صالح وزيرا،.
ويقول ابن حجر العسقلاني:
إن هذا الوزير رتب لها في السنة 700 ألف درهم إلي أن مات عنها، وتنقلت بها الأحوال! إلى أن ماتت.
(أحوال إيه تاني بس هو لسة فيه أحداث وتفاصيل تانية.. عايزين نقفل الحكاية دي.. كفاية كدة
)
وقد أظهر ابن تغري بردي، أحد رواة هذه الحكاية، استغرابه
لزواج ثلاثة ملوك من "اتفاق"، فقال: "سبحان المسخر"!
(عندك حق.. كلنا استغربنا يا بن تغر بردي يا اخويا... الأستاذ الي ورا.. استغربت؟.. الآنسة والمدام اللي قروا الكلام ده.. استغربتوا؟ ... يبدو أن في أحداث تاريخنا ما يفوق قصص ألف ليلة وليلة قدرة على الإدهاش.)
تبقى أن نذكر ان في هذا الحقبة الزمنية التي حملت الترف في جانب والمعاناة في جانب آخر وخاصة في نهاية عام 1348 م. (عصر السلطان حسن) مات ثلث سكان مصر بوباء عالمي وهو الطاعون (الموت الأسود) القادم من الصين وأواسط آسيا وانتشر في كافة أرجاء المعمورة، ولذلك الأمر سياق آخر تناوله إن شاء الله عند تناول سيرة السلطان حسن بعد سيرة أبيه الناصر محمد بن قلاوون.
عذرا على الإطالة.. أرجو أن تكونوا قد وجدتم ما قد يفيد.
تحياتي ومودتي

No comments:
Post a Comment