Friday, January 23, 2026

نوفا اسكوشيا


لسنوات طوال، عاشت بريطانيا على وقع طبول حرب أهلية طاحنة، انقسمت فيها الولاءات وسالت فيها الدماء غزيرة بين معسكرين متناحرين. جيش "اليعاقبة" الذي جمع عشائر المرتفعات الأسكتلندية الحالمة باستعادة عرش آل ستيوارت، والقوات الحكومية البريطانية المسلحة بحديد السلطة المركزية في لندن. بلغت هذه المواجهة الشرسة ذروتها الدرامية وفصلها الختامي في معركة "كولودين" عام 1746، حيث تكسرت سيوف العشائر أمام مدافع الجيش النظامي، لتنطوي صفحة القتال العسكري المباشر، وتُفتح أبواب جحيم آخر تمثل في سياسات انتقامية ممنهجة وتغيرات اقتصادية قاسية غيرت وجه أسكتلندا إلى الأبد.

عقب انقشاع غبار معركة "كولودين" عام 1746، خيم صمت ثقيل وموحش على وديان المرتفعات الأسكتلندية. شرعت الحكومة البريطانية في لندن بتنفيذ خطة ممنهجة لتفكيك البنية الاجتماعية للعشائر، فأصدرت قوانين صارمة حظرت ارتداء الترتان (الزي التقليدي الاسكتلندي)، وحمل السلاح، وعزف القرب، هادفةً إلى صهر الهوية الأسكتلندية المتمردة في القالب البريطاني الجامد. وجد سكان المرتفعات أنفسهم محاصرين بين مطرقة جيش "دوق كمبرلاند" الذي طارد الفلول بلا هوادة، وبين سندان الفقر المدقع الذي ضرب قراهم بعد تجريد زعمائهم من سلطاتهم التقليدية.

تفاقمت المأساة بحدوث تحول اجتماعي قاسٍ ومفاجئ داخل العشائر نفسها. فقد تخلى رؤساء العشائر عن دورهم الأبوي القديم كحماة لأفراد قبيلتهم، وتقمصوا دور "اللوردات" وملاك الأراضي الرأسماليين. ونظراً لارتفاع أسعار الصوف مع الثورة الصناعية، رأى هؤلاء الزعماء أن تربية الأغنام تدر ربحاً وفيراً يفوق ما يدفعه المستأجرون البشر من إيجارات زهيدة. وهكذا، بدأت مرحلة "تطهير المرتفعات"، حيث أُجبرت عائلات عاشت في تلك الوديان لآلاف السنين على إخلاء منازلها، وأُحرقت الأكواخ الطينية أمام أعين ساكنيها لضمان عدم عودتهم، لتتحول الأراضي التي كانت تضج بصيحات المحاربين إلى مراعٍ صامتة لا يُسمع فيها سوى ثغاء الأغنام.

أمام هذا الواقع المسدود، يمم الآلاف وجوههم شطر المحيط الأطلسي، حيث تحولت السفن المتجهة نحو العالم الجديد  إلى طوق النجاة الوحيد. تدفق المهاجرون الأسكتلنديون في موجات متلاحقة نحو "نوفا سكوشا" (أسكتلندا الجديدة) في كندا، وإلى ولايات كارولينا الشمالية وفرجينيا في أمريكا. كانت الرحلة محفوفة بالمخاطر والأمراض، لكن الأمل في امتلاك أرض خاصة والعيش بحرية دفعهم لتحمل مشاق البحر، حاملين معهم لغتهم الغيلية، ومزاميرهم المخبأة، وذكريات وطن لفظهم قسراً.

في العالم الجديد، وجد الأسكتلنديون بيئة قاسية تليق بصلابتهم. توغلوا في التخوم البرية، حيث ساعدتهم طبيعتهم العسكرية وقدرتهم على التحمل في ترويض الغابات وبناء المستوطنات. شكلوا مجتمعات متماسكة حافظت على تقاليدها، وسرعان ما انخرطوا في نسيج الأمة الأمريكية الصاعدة. وبرزت المفارقة التاريخية في تحول هؤلاء "المتمردين المنفيين" إلى عماد الجيش والتجارة والسياسة في موطنهم الجديد، مساهمين بفعالية في توسيع حدود أمريكا غرباً، وصياغة هويتها المستقلة.

ومن المفارقات العجيبة أيضا في التاريخ الأمريكي أن العديد من هؤلاء المهاجرين الأسكتلنديين، الذين طردتهم بريطانيا ونكلت بهم، اختاروا الوقوف في صف "التاج البريطاني" (الموالون) عندما اندلعت الثورة الأمريكية عام 1776، وفاءً لقسم الولاء الذي أجبروا على أدائه قبل الهجرة، بينما انحاز آخرون للثوار بقيادة واشنطن. أدى هذا الانقسام إلى وقوع معارك دموية في كارولينا الشمالية (مثل معركة جسر مور) تقاتل فيها أسكتلنديون ضد أسكتلنديين، مكررين مأساة الحروب الأهلية التي هربوا منها في بلادهم الأصلية، ليثبتوا أن لعنة الانقسام طاردتهم حتى الضفة الأخرى من العالم.

Thursday, January 22, 2026

اليعاقبة

 


بدأت الحكاية في عام 1688، حين أُجبر الملك "جيمس الثاني" (السابع لاسكتلندا)، آخر ملوك بريطانيا الكاثوليك، على الفرار من لندن تحت جنح الظلام، تاركاً العرش لابنته البروتستانتية وزوجها الهولندي ويليام. أطلق المنتصرون على هذا الانقلاب اسم "الثورة المجيدة"، لكن في المرتفعات الأسكتلندية الوعرة، وفي أيرلندا، وبين الإنجليز الكاثوليك، سُمي ذلك "غدراً". رفض هؤلاء الاعتراف بالوضع الجديد، وتمسكوا بالولاء للملك المنفي (الذي يُلفظ اسمه باللاتينية "جاكوبوس")، فعُرفوا منذ تلك اللحظة باسم "اليعاقبة"، واتخذوا من "الوردة البيضاء" شعاراً سرياً يزين صدورهم وأقداحهم، حالمين بيوم العودة.
ظلت الجمرات تتقد تحت الرماد لعقود، تخللتها محاولات فاشلة (خاصة ثورة 1715)، حتى صيف عام 1745، حين رست سفينة فرنسية صغيرة على شاطئ أسكتلندا الغربي. نزل منها شاب وسيم، ذو كاريزما طاغية، هو الأمير "تشارلز إدوارد ستيوارت"، حفيد الملك المخلوع، والملقب بـ "بوني برنس تشارلي". كانت مغامرته ضرباً من الجنون. فقد وصل ومعه سبعة رجال فقط، بلا جيش ولا مال، معتمداً كلياً على سحر شخصيته وولاء العشائر القديم.
في وادي "غلينفينان"، رُفعت الراية الملكية الحمراء والبيضاء، ودوت القرب (المزامير الأسكتلندية) لتجمع حوله رجال المرتفعات الأشداء، الذين رأوا فيه الأمل لاستعادة استقلالهم وكرامتهم المهدورة من قبل حكومة لندن.
تحولت المغامرة الصغيرة إلى إعصار. اجتاح جيش المرتفعات، بملابسهم التقليدية وسيوفهم العريضة (Broadswords)، مدينة إدنبرة، وسحقوا الجيش الحكومي في معركة "بريستونبانز" في دقائق معدودة. وبدلاً من الاكتفاء بأسكتلندا، اتخذ تشارلز قراراً مصيرياً بالزحف جنوباً نحو لندن.
وصل الجيش اليعقوبي إلى مدينة "ديربي"، على بعد أيام قليلة من العاصمة الإنجليزية. ساد الذعر في لندن، وبدأ الملك جورج الثاني يوضب حقائبه للهرب. لكن، وفي لحظة تردد قاتلة، فقد القادة الأسكتلنديون أعصابهم. خافوا من عدم وصول الدعم الفرنسي الموعود، وقرروا الانسحاب والعودة للشمال، في قرار حول النصر الوشيك إلى بداية النهاية.
تراجع اليعاقبة وخلفهم جيش حكومي ضخم وحديث يلاحقهم بقيادة "دوق كمبرلاند" (ابن الملك جورج)، الذي كان مصمماً على الإبادة لا الانتصار. وفي السادس عشر من أبريل 1746، التقى الجيشان على سهول "كولودين" الموحلة.
كان المشهد غير متكافئ بالمرة. خمسة آلاف من رجال المرتفعات المنهكين والجوعى، يواجهون تسعة آلاف جندي نظامي مدعومين بمدفعية فتاكة. ارتكب تشارلز خطأً تكتيكياً باختيار أرض منبسطة لا تناسب أسلوب "الهجمة الشرسة" (Highland Charge) الذي يتقنه رجاله.
حين بدأت المعركة، مزقت مدافغ "العنب" (Grape shot) الإنجليزية صفوف اليعاقبة. ورغم شجاعتهم الانتحارية ومهاجمتهم للبنادق بالسيوف، إلا أن المعركة انتهت في أقل من ساعة. تحول المرج الأخضر إلى مسلخ بشري، وأمر دوق كمبرلاند جنوده بالإجهاز على الجرحى والأسرى، ليكتسب لقبه الأبدي: "الجزار".
هرب الأمير "تشارلي" وظل طريداً في الجبال والجزر لشهور (بمساعدة الأسطورة فلورا ماكدونالد) قبل أن يفر إلى فرنسا، تاركاً شعبه يدفع الثمن. لقد كانت كولودين حكماً بالإعدام على "ثقافة المرتفعات" بأسرها.
أصدرت لندن قوانين انتقامية صارمة. حُظر ارتداء الزي الأسكتلندي (التارتان)، ومُنع حمل السلاح، وحُرم العزف على القرب، وجُرد زعماء العشائر من سلطاتهم. تلا ذلك ما عُرف بـ "تطهير المرتفعات" (Highland Clearances)، حيث طُرد السكان من أراضيهم لاستبدالهم بالأغنام، ليتشتت أحفاد المحاربين في أصقاع الأرض، وتتحول الوردة البيضاء إلى مجرد ذكرى رومانسية حزينة في الأغاني الشعبية.


Wednesday, January 21, 2026

الاقتصايات الكبرى


🔲 تواصل الولايات المتحدة ريادة اقتصاد العالم للسنة 136 على التوالي، بفارق كبير عن ثاني اقتصاد أي الصين، بحوالي 10 تريليون.
 
🔲 الاقتصاد الأميركي، يمثل ضعف اقتصاد البلدان العربية مجتمعة بحوالي 10 مرات، وإنتاج الفرد في الولايات المتحدة أعلى بنحو 8-10 مرات من متوسط الإنتاجية في أغلب الاقتصادات العربية.
 
🔲 152 مليون عامل في الاقتصاد الأميركي، ينتجون ضعف ما ينتجه حوالي 600 مليون عامل في إفريقيا بحوالي 10 مرات.
 
🤔 برأيك، ما سبب تفوق أميركا لأزيد من قرن ونصف؟ وهل تتوقع استمرار تصدرها لاقتصاد العالم بفضل ابتكاراتها التكنولوجية؟

المواطن رقم 981


عام 1908م، داخل المدينة المحرمة في بكين، انتُزع طفل باكٍ لم يتجاوز عمره عامين من أحضان أمه، ليُساق إلى مصيرٍ لم يختره. كان هذا الطفل هو "آيسين جيورو بويي"، الذي وضعته الإمبراطورة العجوز المحتضرة "تسي شي" على "عرش التنين" كآخر رهان لإنقاذ سلالة "تشينغ" المتهاوية. جلس الطفل الصغير يرتعد فوق الكرسي الضخم، وحوله آلاف الموظفين والخصيان يسجدون ويلامسون بجباههم الأرض، بينما كان هو يبكي طالباً مربيته، غير مدرك أنه أصبح للتو "ابن السماء" وسيد الصين العظيم.

لم يدم حكمه الصوري طويلاً. ففي عام 1912، عصفت ثورة "شينهاي" بالبلاد، وأُجبرت السلالة على التنازل عن العرش، لتعلن قيام الجمهورية. وهنا، عاش بويي واحدة من أغرب المفارقات في التاريخ. سمحت له الحكومة الجمهورية الجديدة بالاحتفاظ بلقبه، والبقاء داخل المدينة المحرمة مع حاشيته، بشرط ألا يغادر أسوارها أبداً.
نشأ بويي في عزلة تامة. داخل الأسوار كان لا يزال إمبراطورا يعامله الخدم كإله، ويتمتع بوجبات إمبراطورية باذخة، بينما خارج الأسوار كان العالم يتغير بسرعة، والسيارات تجوب الشوارع، والحروب تشتعل. كان ملكاً على مملكة من الأوهام، يدرس الإنجليزية على يد معلمه الأسكتلندي "ريجينالد جونستون"، ويحلم بركوب الدراجة الهوائية، وقطع ضفيرته المانشوية التي ترمز للماضي.

في عام 1924، طرده أمير حرب صيني من قصره، فوجد بويي نفسه لاجئاً، طريداً، ومجرداً من كل شيء سوى طموحه لاستعادة عرش أجداده. التقطت الاستخبارات اليابانية هذه الرغبة بذكاء خبيث. عرضوا عليه صفقة مغرية: "نحن سنعيدك إمبراطوراً، لكن في منشوريا (موطن أجداده)، وليس في بكين".
قبل بويي العرض، وأصبح في عام 1932 إمبراطوراً لدولة "مانشوكو". لكنه اكتشف متأخراً أنه استبدل سجناً بآخر أشد قسوة. لم يكن سوى دمية تحركها أصابع الجيش الإمبراطوري الياباني. يوقع المراسيم التي يكتبونها، ويغض الطرف عن الفظائع التي يرتكبونها بحق شعبه، ويعيش تحت رقابة صارمة جعلته يخشى حتى من خدمه ومقربيه، فاقداً السيطرة حتى على شؤون بيته وزوجته التي أدمنت الأفيون هرباً من بؤس القصر البارد.

مع استسلام اليابان عام 1945، حاول بويي الفرار إلى اليابان، لكن الجيش السوفيتي ألقى القبض عليه في المطار. قضى خمس سنوات في سجون سيبيريا، نجا خلالها من الإعدام بفضل شهادته ضد اليابانيين في محاكم طوكيو.
في عام 1950، سلمه السوفييت إلى الصين الشيوعية بقيادة "ماو تسي تونغ". توقع بويي الإعدام الفوري باعتباره "خائناً ومجرم حرب"، لكن ماو كان له رأي آخر. أراد تحويل الإمبراطور إلى "نموذج" لقدرة الشيوعية على تغيير البشر.
أُرسل بويي إلى "مركز إدارة مجرمي الحرب في فوشون". هناك، ولأول مرة في حياته، تعلم الرجل الذي كان يخدمه المئات كيف يربط حذاءه، وكيف يغسل ملابسه، وكيف ينظف زنزانته. خضع لعملية "غسيل دماغ" وإعادة تأهيل نفسي مكثفة، أجبرته على كتابة اعترافاته وانتقاد ماضيه الإقطاعي، ليتحول ببطء من "ابن للسماء"  إلى "المواطن رقم 981".

بعد عشر سنوات من السجن، صدر عفو خاص عنه عام 1959. عاد بويي إلى بكين، لكن ليس إلى القصر هذه المرة، وإنما إلى شقة صغيرة. عمل بستانياً في الحدائق النباتية، ثم محرراً أدبياً. عاش سنواته الأخيرة كمواطن عادي، يركب الحافلة، ويختلط بالناس الذين كانوا يسجدون له سابقاً، وتزوج من ممرضة بسيطة.
وفي عام 1967، توفي بويي بمرض السرطان، منهياً رحلة إنسانية مذهلة لرجل بدأت حياته كإله يملك كل شيء، وانتهت كمواطن لا يملك شيئاً سوى بطاقة هوية، وذاكرة مثقلة بعبء تاريخ أمة كاملة.

من أكثر المواقف التي تلخص تراجيديا وسخرية حياة بويي، تلك الزيارة التي قام بها في سنواته الأخيرة إلى "المدينة المحرمة" (بيته القديم) ولكن هذه المرة بصفته سائحاً. حين وصل إلى البوابة، استوقفه الحراس وطلبوا منه شراء تذكرة دخول. وقف الإمبراطور السابق في الطابور، ودفع بضع عملات معدنية ليدخل القصر الذي كان يملكه بالكامل، وتجول في أروقته مشيراً لرفاقه إلى العرش الذهبي قائلاً بابتسامة حزينة: "كنت أجلس هناك ذات يوم، وكنت أظن أن العالم ينتهي عند تلك الأسوار". تلك التذكرة الصغيرة كانت الدليل القاطع على أن عجلة التاريخ قد دارت دورة كاملة.

فورموزا


في أعقاب الحرب العالمية الثانية، تحولت الأراضي الصينية الشاسعة إلى مسرح لصراع وجودي شرس بين عقيدتين متنافرتين. الحزب الشيوعي بقيادة "ماو تسي تونغ" الذي اعتمد على بحر من الفلاحين الثائرين، وحزب الكومينتانغ القومي بقيادة "شيانغ كاي شيك" المدعوم من النخبة والمدن. استمرت المعارك الدامية لسنوات، مالت بعدها الكفة تدريجياً لصالح الرايات الحمراء، ليجد القوميون أنفسهم محاصرين ويتراجعون أمام طوفان بشري لا يمكن إيقافه، فارضاً عليهم البحث عن ملاذ أخير يحميهم من الفناء التام.

مع سقوط المدن الكبرى تباعاً في يد ماو، اتخذ الجنرال "شيانغ" قراره التاريخي والمصيري. أمر بتنفيذ أضخم عملية انسحاب استراتيجي في التاريخ الصيني الحديث. عبر مئات الآلاف من الجنود، والمسؤولين، والمثقفين، ورجال الأعمال مضيق تايوان الهائج نحو جزيرة "تايوان" (فورموزا)، حاملين معهم احتياطي الصين من الذهب، وأرشيف القصر الإمبراطوري، وكنوز المدينة المحرمة الفنية. تحولت الجزيرة من مقاطعة زراعية نائية استعادتها الصين حديثاً من اليابان، إلى "حصن منيع" وعاصمة مؤقتة لما أصروا على تسميته "جمهورية الصين"، واضعين البحر كخندق طبيعي بينهم وبين "جمهورية الصين الشعبية" التي أعلنها ماو في بكين.

كان "ماو" يمني النفس بعبور المضيق وسحق الفلول الأخيرة لتوحيد البلاد، غير أن اندلاع الحرب الكورية عام 1950 قلب الموازين الجيوسياسية. إذ حركت الولايات المتحدة أسطولها السابع ليرابط في المضيق، فارضةً درعاً حامياً حول تايوان لمنع تمدد الشيوعية في آسيا. جمد هذا التدخل الوضع العسكري، وخلق واقعاً سياسياً مريرا عاشته المنطقة لعقود. حكومتان، واحدة في بكين وأخرى في تايبيه، تدعي كل منهما أنها الممثل الشرعي والوحيد لكل الصين، وتنظر كل منهما للأخرى كعصابة متمردة احتلت جزءاً من التراب الوطني، في انتظار يوم التحرير أو الاستعادة.

مع مرور العقود، وموت المؤسسين، تغيرت المعادلة الداخلية في تايوان جذرياً. تحولت الجزيرة من حكم الحزب الواحد والقانون العرفي إلى ديمقراطية ليبرالية مزدهرة اقتصادياً وتكنولوجياً. ونشأ جيل جديد لا يحمل ذكريات الحرب الأهلية، وتلاشت لديه رغبة "استعادة البر الرئيسي"، مستبدلاً إياها بشعور متنامٍ بهوية "تايوانية" مستقلة ومنفصلة عن الهوية الصينية الجامعة. قابلت بكين هذا التحول بقلق متصاعد، متمسكةً بعقيدة "الصين الواحدة" كحقيقة مقدسة، ومعتبرةً أي محاولة رسمية لاستقلال الجزيرة خطاً أحمر يستوجب التدخل العسكري، ليبقى المضيق اليوم بؤرة توتر عالمية، وعالقاً بين تاريخ يرفض النسيان وواقع يرفض الاندماج.

من المفارقات التاريخية في هذه القضية، أن "تايوان" (جمهورية الصين) ظلت تشغل مقعد الصين الدائم في مجلس الأمن وتتحدث باسم مئات الملايين من الصينيين في الأمم المتحدة لأكثر من عشرين عاماً بعد هروبها، بينما كانت بكين معزولة دولياً. استمر هذا الوضع الشاذ بدعم غربي حتى عام 1971، حين انقلب العالم واعترف بواقعية الأمور، فُطرد ممثلو تايوان ومُنح المقعد لبكين بموجب القرار 2758، لتجد الجزيرة نفسها فجأة في عزلة دبلوماسية، وتتحول من "الصين الشرعية" في نظر العالم إلى كيان غامض يتمتع بكل مقومات الدولة دون أن يحمل اسمها الرسمي.

Tuesday, January 20, 2026

علي شريعتي


#الدكتورعلي شريعتي -مفكر ايراني

 اغتيل عام 1977
تأملوا وصفه الجميل لواقع الحال :
1- المسجد في زمن الرسول كان له ثلاثة أبعاد :
بُعد ديني ( معبد )
و بُعد تربوي ( مدرسة )
و بُعد سياسي ( برلمان )
و كان كل مواطن عضواً فيه ..
أصبح المسجد الآن قصراً فخماً ..
و لكن بدون أبعاد ..!!

2- إني افضل المشي في الشارع و أنا افكر في اللّه
على الجلوس في المسجد و أنا أفكر في حذائي ..!!

3- الحرب بين المسلمين ليست حرباً بين التشيع والتسنن
و لا من أجل العقيدة ، بل هي معركة بين مصالح دول
ضحيتها العوام من السنة والشيعة ..

4- ليعلم تجار الدين هؤلاء ، سيأتي يوم و تثور الناس عليهم
و أنا أخشى أن يذهب الدين ضحية لتلك الثورة ..

5- من الصعب أن تتعايش مع اُناس يرون أنهم دائماً على حق .

6- إذا لم يكن الناس على وعي و ثقافة قبل الثورة
فلا يلوموا أحداً حينما تُسرق ثورتهم ..

7- إذا أردت أن تُخرب أي ثورة فقط ، اعطها بعداً طائفياً
أو دينياً وستنتهي إلى هباء ..

8- لا بد أن نُعيد القرآن مرة ثانية من القبور و التعازي
إلى الحياة ، و نقرأه على الأحياء لا على الأموات ..

9- مشكلتنا نحن المنتسبين للإسلام منذ قرون
لا تكمن في عدم تطبيقنا الإسلام
بل في أننا لم نفهمه بعد ..

10- عندما يشب حريق في بيتك
و يدعوك أحدهم للصلاة و التضرع الى الله
فاعلم أنها دعوة خائن ..!
لأن الاهتمام بغير إطفاء الحريق
و الانصراف عنه الى عمل آخر
هو الاستحمار ، و إن كان عملاً مقدساً ..

11- حين يتخلى رجال الدين عن مسؤولياتهم
و يتحولون الى عوامل تخدير للناس
فمن المتوقع أن يبتعد الناس عن الدين
و يبحثوا عما يحقق طموحاتهم ..

12- اُشفق على الفتاة حين تسوء سمعتها
فهي لا تستطيع تربية لحيتها لتمحو تلك الصورة ..

13- لا فرق بين الاستعمار والاستحمار
سوى أن الأول يأتي من الخارج ..
و الثاني يأتي من الداخل ..

14- أن يكرهك الناس لصراحتك
أفضل من أن يحبوك لنفاقك ..!

15- أبي من اختار اسمي
و أسلافي هم من اختاروا اسم عائلتي
و أنا مَن اخترت طريقي ..

16- لا تقل للباطل نعم مهما كانت المصلحة ..

17- حين تحترم عقلك سيأخذك أعمق مما تتخيل ..

18- ليس من اللازم أن تتفق معي في الرأي
يكفي أن تفهم ماذا اُريد أن أقول ..

19- إنهم يخشون من عقلك أن تفهم
و لا يخشون من جسدك أن تكون قوياً ..

20- إن الحديث يدور عن مجتمع :
نصفه نائم مخدور مسحور
و نصفه اليقظان هارب
نحن نريد أن نوقظ النائمين ليقفوا على أقدامهم
و نُعيدُ الهاربين الفارين ليبقوا ..

21- مات جاري أمس من الجوع
وفي عزائه ذبحوا كل الخراف ..

22- المرأة التي تقضي سنة تتحدث بشأن جهازها
و تساوم في مهرها و الجواهر التي تهدى إليها
و فخامة حفل الزفاف ، لا تزال جارية بالمعنى الكامل للكلمة !

Sunday, January 18, 2026

تشارلي مانغر




في عام 1998، لخص تشارلي مانغر 74 عاماً من الحكمة في محاضرة مكثفة مدتها 30 دقيقة.

كشف فيها عن النماذج الذهنية التي جعلته مليارديراً:

- استحق ما تريد.
- اعكس التفكير دائماً.
- تجنب الأيديولوجيات المتطرفة.

15 نموذجاً ذهنياً من محاضرته:

1. اعكس التفكير دائماً
«غالباً ما تكون المشكلات أسهل حلاً إذا عكستها».
هل تريد مساعدة الهند؟ لا تسأل: كيف أساعد؟ اسأل: ما الذي يسبب أكبر ضرر؟ وكيف أتجنبه؟
«ما لم تكن أذكى من آينشتاين، فإن عكس التفكير سيساعدك على حل مشكلات لا تستطيع حلها بطريقة أخرى».

2. كن مستحقاً لما تريد
«أضمن طريقة للحصول على ما تريد هي أن تحاول أن تستحقه».
«قدّم للعالم ما كنت ستشتريه لو كنت في الجهة الأخرى».
من يتبنون هذه الفلسفة لا يكسبون المال والتكريم فقط، بل يكسبون أيضاً الثقة التي يستحقونها.
«نيل الثقة التي تستحقها من أعظم متع الحياة».

3. طبّق عكس التفكير على الحياة نفسها
«ما الذي يفشل الناس فعلاً في الحياة؟»
إجابات بسيطة:
- الكسل
- عدم الموثوقية
«إذا لم تكن موثوقاً، فلا يهم ما لديك من فضائل. ستفشل فوراً».

4. اكتساب الحكمة واجب أخلاقي
«ليس أمراً يُفعل فقط للتقدم في الحياة. اكتساب الحكمة واجب أخلاقي».
والنتيجة المنطقية:
«أنت محكوم بالتعلم مدى الحياة. من دونه لن تصل بعيداً اعتماداً على ما تعرفه الآن».

5. تحول إلى آلة للتعلم
«أرى باستمرار أشخاصاً ينجحون في الحياة ولم يكونوا الأذكى وأحياناً ولا حتى الأكثر اجتهاداً».
«لكنهم آلات تعلّم. ينامون كل ليلة وهم أكثر حكمة بقليل مما كانوا عليه عند الاستيقاظ».
«هذا العرف يساعد كثيراً، خصوصاً عندما يكون الطريق طويلاً».

6. تعلّم الأفكار الكبرى كلها
«الأفكار المهمة حقاً تمثل 95٪ من العمل».
«لم يكن صعباً أن أتعلّم الأفكار الكبرى في مختلف التخصصات وأدمجها في عاداتي الذهنية».
النتيجة:
«جعل حياتي أكثر متعة وأكثر بنائية وجعلني ثرياً جداً… أياً كان ما تتخيله».

7. يجب أن يقوم الحب على الإعجاب
«لا حبّ أكثر أصالة من الحب القائم على الإعجاب ويجب أن يشمل إعجابك أيضاً بالعظماء الراحلين».
أما الحب المرضي كما في عبودية الإنسان لسومرست موم؟
«هذا مرض. إن وجدت نفسك فيه فاستدر وانهِ الأمر».

8. تجنب الأيديولوجيات المتطرفة
«الأيديولوجيات شديدة التطرف تُقزم العقل».
«عندما تعلن ولاءك وتبدأ بترديد العقيدة الأرثوذكسية، فأنت تغرسها في نفسك ومع الوقت تفسد عقلك».
قاعدته الحديدية:
«لا يحق لي إبداء رأي ما لم أستطع عرض الحجج المضادة لموقفي عرضاً أفضل من أنصارها».

9. احذر الانحياز الأناني
«يجب أن تتخلّص من فكرة أن ما هو جيد لك هو جيد للحضارة ككل».
وأيضاً:
«ضع في حسبانك الانحياز الأناني لدى الآخرين. أغلب الناس لن ينجحوا في التخلص منه».
«إن لم تفعل، فأنت ساذج».

10. خاطب المصلحة لا العقل
نصيحة بنجامين فرانكلين: «إذا أردت الإقناع فخاطب المصلحة لا العقل».
رأى مانغر مستشاراً قانونياً لامعاً خريج هارفارد يخسر مسيرته.
ناشد الواجب الأخلاقي. أجّل المدير التنفيذي. انفجرت الفضيحة. وسقط الاثنان.
«الانحياز الأناني شديد للغاية».

11. تجنب الحوافز المنحرفة
«لا تريد أن تكون ضمن نظام حوافز يدفعك للتصرف بتهور».
«الانحياز الناشئ عن الحوافز محرك قوي جداً للإدراك والسلوك البشريين».
مثاله: حصص الساعات القابلة للفوترة في مكاتب المحاماة.
«لم أستطع العيش بأقل من 2400 ساعة سنوياً. عليك أن تكتشف ذلك بنفسك».

12. اعمل مع أشخاص تُعجب بهم
«وتجنب خصوصاً العمل مع من لا تُعجب بهم ولا تريد أن تصبح مثلهم».
«نحن جميعاً خاضعون لتأثير شخصيات السلطة، خصوصاً من يكافئوننا».
حلّه:
«ناورت بذكاء لأعمل حصراً مع أشخاص أُعجب بهم».

13. معرفة بلانك مقابل معرفة السائق
كان سائق ماكس بلانك قد حفظ محاضرته عن ميكانيكا الكم وألقاها بإتقان.
ثم طرح أستاذ سؤالاً صعباً.
فقال السائق: «أستغرب سؤالاً بهذه البساطة. سأدع سائقي يجيب».
نوعان من المعرفة:
← معرفة بلانك: من يعرفون حقاً وقد دفعوا ثمن المعرفة.
← معرفة السائق: من تعلّموا الثرثرة فقط؛ شعرٌ كثيف وصوتٌ جميل.
«لقد وصفتُ تقريباً جميع السياسيين».

14. كل مصيبة فرصة
كان إبيكتيتوس يرى كل مصيبة فرصة للتصرف الحسن وتعلّم شيء.
«واجبك ليس الغرق في الشفقة على الذات، بل استخدام الضربة القاسية استخداماً بناءاً».
نقش قبره: «هنا يرقد إبيكتيتوس، عبدٌ، مُقعَد الجسد، غارق في الفقر المدقع ومحبوب من الآلهة».
«كان محبوباً لأنه أصبح حكيماً».

15. أرقى أشكال الحضارة
«أرقى ما يمكن أن تبلغه الحضارة هو شبكةٌ مثالية من الثقة المستحقة».
«لا إجراءات معقّدة، فقط أشخاص موثوقون تماماً يثق بعضهم ببعض على نحو صحيح».
«هكذا يعمل قسم العمليات في عيادة مايو».
«إذا كان عقد الزواج المعروض عليك من 47 صفحة، فاقتراحي ألا توقعه».

بداية التيه والتخبط العربي

 



لقد كان بزوغ الامبراطورية العثمانية بداية التيه والتخبط العربي، حيث تقاتلت القوى السياسية العربية بين تأكيد ورفض الولاء للخليفة، أو بالآحرى الوالي العثماني

بدأ الأمر بتفتيت الروابط القومية الاسلامية من خلال تأسيس الولايات العثمانية المختلفة، وبعد أن كانت خمسة اساسية في العراق والشام ومصر والمغرب واليمن، بأسماء أمراء وملوك وسلاطين عرب، أو عرب الهوى، فلقد أصبح الجميع يدين بالولاء للأستانة، بينما يتقاتلون للحصول على رضا السلطان العثماني الأكبر

هكذا بدأت المجابهات والصراعات العنيفة بين تخوم الشام ووادي النيل وشمال أفريقيا، والتي انقسمت لاحقاً الى نيف وعشر دول مستقلة عند سقوط الامبراورية العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى 

هذا التحول كان ابرزه زخماً في مصر، التي قد سعت بخدويتها الى التحالف مع دولة الفرس، وحاولت ابتلاع الحجاز، ثم أخضعت السودان، وكذلك سعت من خلال جمهوريتها الآولى لوحدة عجولة مراهقة مع سوريا ثم مع العراق ثم مع ليبيا، بينما حاولت إكراه اليمن على الرضوخ لفكرة الوحدة العربية

واللافت في كل هذا المساعي كان الاستفزاز المعلن والخفي بعناوين قلب العروبة وهبة النيل وأسد أفريقيا، وهكذا تشارك كل هؤلاء المغلوبيين والمضطربين في مشاعر التخبط والغضب تجاه مصر، تجاه شعب تقهره تارة وتجيشه تارة آخرى، وتتلاعب به صفوة قوية بتراث قد رسمه المماليك والعثمانيون وحرافيش خلال نيف وستمائة عام

ولعل العلامة سيد عويس قد أوجز المعادلة في أن المصريين يصعب تصنيفهم وقولبتهم وفق الاعراف الآكاديمية، وفي هذا تكامل من رؤية عبقرية المكان التي نادى بها جمال حمدان

ولعل مؤسسة الأزهر لم تكن بمعزل عن هذا التشويةالمعرفي الذي انتشر في مفاصل إدارة الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حيث قد تحول الى نسخة من الكهنوت الفاتيكاني من خلال المعاهد والمدارس التي قد انتشرت على امتداد البلاد لكي تغذي المؤسسة بكوادر حافظة لكتاب الله تعالى، وليس فهمه واستيعاب مضمونه، والذي ساعد في خلق ازدواجية التراث الديني بين فرعونية ويهودية ومسيحية واسلامية

أتوقع، خلال العقد القادم أن تتفاعل بشدة السرديات الاسلامية الجديدة، والقائمة على جرأة المنطق والقراءة التقنية للمضامين والتفاصيل وفق المنهاجيات الآكاديمية الحديثة، وسوف بالضرورة تتعالى عن الخلافات التقليدية بين الفرق الاسلامية المختلفة، شريطة أن يتسع المناخ العام وحوكمته لاتاحة الرآى القويم والقوي

نظام الآلثينغ

 


قبل اثني عشر ألف عام، كانت شبه الجزيرة الإسكندنافية مجرد كتلة من البياض، مدفونة تحت طبقة من الجليد يبلغ سمكها كيلومترات، لا حياة فيها ولا حركة. لكن، ومع حدوث انقلاب مناخي كوني، بدأ الكوكب يسخن ببطء، وبدأ العملاق الأبيض في التراجع نحو القطب، كاشفاً عن أرض بكرٍ، قاسية التضاريس، ولكنها تبشر بحياة واعدة.
مع ذوبان الجليد، نمت غابات البتولا والصنوبر، وتدفقت قطعان الوعول والرنة نحو الشمال بحثاً عن العشب الطري. وخلف تلك القطعان، زحفت طلائع البشر الأولى. لقد كانوا صيادين رحلاً يحملون رماح الصوان وجلود الحيوانات، تسيّرهم غريزة البقاء والجوع، بعيداً عن أطماع الغزو والسيوف التي لم يعرفها عصرهم بعد.
تحركت هذه الموجات البشرية عبر طريقين رئيسيين:
الأول جاء من الجنوب (عبر ما يعرف اليوم بألمانيا والدنمارك)، وهم صيادون عبروا الجسور البرية التي كانت تربط اليابسة ببعضها قبل ارتفاع منسوب البحار.
والثاني جاء من الشمال الشرقي (عبر فنلندا وروسيا)، التفوا حول الساحل النرويجي المتعرج الخالي من الجليد، حاملين معهم تقنيات مختلفة ولغات قديمة ضاعت مع الزمن.
لآلاف السنين، عاش هؤلاء الرواد الأوائل في عزلة، يصارعون الدببة والبرد، ويتركون بصماتهم عبر نقوش صخرية تصور طرائدهم وقواربهم الجلدية البسيطة.
لكن التغيير الكبير، الذي شكل "الجينوم" والثقافة الإسكندنافية التي نعرفها، حدث لاحقاً، وتحديداً في العصر الحجري الحديث والعصر البرونزي. وصلت موجات هجرة جديدة من الجنوب، جلبت معها "الزراعة" لأول مرة، ومعها استقر البشر وبنوا البيوت الطويلة. ثم جاءت الموجة الحاسمة: قبائل "الهندو-أوروبية" (ثقافة الفأس القتالية)، التي جلبت معها لغتها الجرمانية، وعادات دفن الموتى، وتقديس المحارب، والمعادن.
امتزجت دماء الصيادين القدامى بدماء المزارعين والمحاربين الجدد، ليولد "الشعب الشمالي". عاشوا عصراً برونزياً ذهبياً ودافئاً نسبياً، تاجروا فيه بـ"كهرمان" البلطيق مقابل برونز الجنوب. لكن الطبيعة عادت لتقسو عليهم في القرون الأخيرة من العصر البرونزي، حيث ساء المناخ بشكل دراماتيكي مع تحول نحو برد أقسى ورطوبة أثقل، ودخلت المنطقة في شتاء طويل وقارص استمر لقرون.
هذا الانقلاب المناخي عزلَهم جزئياً عن بقية أوروبا، وصهرهم في بوتقة واحدة. تعلموا فيها الصبر، وتطوير أدواتهم الحديدية المستخرجة من المستنقعات، وبناء سفن أقوى لمواجهة البحر الهائج، وتطوير معتقدات دينية قاسية تليق ببيئتهم.
تشكّل هذا المجتمع سينجب الفايكنج لاحقاً. حيث كان نتاج قرون من الهجرات المتداخلة، والصراع المرير مع الجليد، والعزلة النسبية التي حولت مجموعات من الصيادين والمزارعين إلى مجتمع قبلي محارب، ينتظر فقط اللحظة المناسبة وتقنية السفن المتطورة ليكسر طوق الجليد وينقض على العالم الجنوبي الدافئ.

في رحم تلك العزلة القطبية، تبلورت ملامح مجتمع فريد صاغته ضرورات البقاء. حيث فرضت قسوة الطبيعة قانوناً صارماً للتعاون المتكافئ، أنتج نظام "الآلثينغ" (المجالس القبلية)، الذي منح الرجال الأحرار صوتاً مسموعاً وحكماً ذاتياً مبكراً لفض النزاعات تحت سقف السماء. نمت بين هؤلاء القوم روح استقلالية شرسة ترفض الخضوع المطلق للملوك، وتعتمد الولاء الشخصي للقائد القوي القادر على تأمين الغنائم والحماية. ومع تزايد أعدادهم في الوديان الضيقة، واكتظاظ الأرض التي تضن بخيراتها، تحولت نظراتهم تدريجياً من التربة الفقيرة نحو الأفق الأزرق الممتد، ليروا في البحر الهائج وسيلتهم الوحيدة للنجاة والمجد، مستعدين لتوجيه طاقة هذا المجتمع المتراصة نحو العالم الخارجي.

Dubaization



Dubaization is a recent phenomenon that had equally invaded many countries, across the world. Its attributes are influential and appealing for both officials and businessmen. Simply, target the 1% who will enrich the money cycle and attract 99% to participate in glorious and rewarding wealth share, at all various categories.
However, the magic was in supporting, aligned and facilitating regulations and legislations to incubate and encourage wealth transfer a=, growth and investment.