محلقاً في السماء بين القاهرة ودبي ...
لعل رحلتي الآخيرة إلى القاهرة كانت مختلفة بشدة .. فلم تكن مجرد إجراءات تسجيل نشاط تجاري ، ولم تكن إستشرافاً لفكرة التغيير من دبي التي بدأ يعلوها الشيب ، ولم تكن فسحة من آلام نفسٌ صامتة ، ولم تكن عطلة من عمل لايوجد ، ولكنها كانت اختباراً لمدى نضج وثبات قرار قديم ، والذي قد أسسه حينذاك إدراك اللامعقولية واللاحيثية لبناء علاقة انسانية .. ولكنها صارت أكثر إلحاحاً مع ذهبية وشتاء العمر .. فقد حفلت السنوات الآخيرة بالتململ تجاه هذا القرار ..
لقد أعتدت أن آرى الجمال بعيون مختلف عن الآخرين .. أعتدت أن أغوص في قاع العيون التي هي أمامي لكي ألمس الروح السامية للأنسان .. هكذا أجد الكل جميل وساحر بلا قبح أو دناءة .. وكالعادة ، أعود إلى ركائز الفلسفة اليونانية والرومانية ، حيث كان الفارق الأكبر في تقييم وتجليل "الجمال" .. فيما بين يونانية الشعور والخيال ، ورومانية الحس والتجسيد .. هكذا ولدت الاسطورة والواقعية في آنٍ واحد .. وولدت أيضاً الصراعات والتناقضات الفكرية بين المثالية والعُرف .. وبين القيمة والقوة .. وبين الحب والاستحواذ .. وبين القدر والاختيار ..
يكمن سحر الأقدار في أنها تدغدغ قدرتنا على تأصيل وتأكيد خياراتنا وقراراتنا .. حينها ، لا نكون في حال جمود عقلي ، بل في تيه وإنبهار ، حيث تفيض علينا الأقدار بكافة الخيارات والمخاطر في آنٍ واحد ، بكل ما نستشعر أو نتصور أو نعقل ، مما يجعلنا نستسلم لما قد يكون ، وبلا حول أو قوة ؛ بل نكون أحياناً مأخوذين في حال برزخية بين الحلم واليقين .. وقد يشاء مدبر الأقدار سبحانه وتعالى أن تفاجئنا أحداث لكي نفيق أو لكي نغرق أكثر وأكثر في في فيض الأقدار ، وإلى حين ..
هكذا ، أقرأ ما حولي وما بداخلي ، بين سنوات نشطة تمر سريعاً ، ووهن يتراكم رويداً رويداً ، والقبول البطئ لخمود الأماني ، والتعايش المبهم مع المستحيلات ، والثورات المتصاغرة ضد الشائع ، والرغبات المتقلصة نحو التغيير .. لعلها دورة الحياة المعقدة التي لا نملك مبداؤها أو منتهاها ، ولا ولن ندري حكمتها الأزلية .. ولعلي أرى في "التانجو" هذه التفاعلات والتناقضات والانسجامات تأتي متداخله مع خلفية موسيقية تشعل مفردات الحياة على نحو عبقري .. هكذا أندم لأن الظروف لم تتح لي الفرصة لتجربته فعلياً بكامل عمقه الذي يكاد أن يتواصل بلا نهاية ..
عندما أجتر ذكريات وأحداث الأيام الخوالي البعيدة ، أجد أن الأخطاء والمخاطر كانت بادية مثل سطوع الشمس ، ولكن تشاء الأقدار أن نعمى عنها لكي تكون المشيئة القهرية الجبروتية التي لا يقف أمامها أياً كان .. فهى المشيئة الأزالية القديمة قدم الخلق وما قبله .. وغالباً ما تحركنا تجاهها مشاعر التمني والأمل والركون إلى المحبب من الهوى .. لقد وقف الكل كثيراً أمام معنى "زهرة الحياة" التي تترجم إنجرافنا اللإرادي إلى قهرية الشعور والنشوة ، بلا حدود للعمر أو الأصل أو اللون أو الثقافة .. ولعلها ثلث ثلاثية "العروش والكروش والرموش" التي تحرك العالمين من حولنا ..
كذلك تتوارى الأحداث الموفقة ، كأنها ليست الأصل في حياتنا ، وكما قيل فإن السيئة تسود والحسنة تخص ، ولذا لا يدرك الكثيرين أن أحداثهم العظام تدلف سريعاً إلى زوايا النسيان ، بينما أحداثهم الجسام تشكل أسس النجاح والمخاطر والآمال ، بل والإبداع في غالب الأنشطة .. وكما قيل فإن الخوف يعد محرك القوة والانجاز .. هكذا هي مثل "إدارة المخاطر" التي تتوسع مهنياً لتشمل كل الأنشطة .. ولعي دوماً أذكر مقولة زميلة متخصصة في المخاطر ، بأن الانسان يبدأ بحمل "المسئولية" عندما يرفض ، بعد الفُطام ، "باختياره" نوعيات محددة من الطعام ..
ولعل العلاقات الأجمل بين المرأة والرجل هي تلك "الراقية" التي ملؤوها الكرامة والمروءة والايثار .. ولجام المشاعر "إلى حين استطاعة الباءة" .. هي تلك التي تتسم بالبساطة والاحترام والثقة ، وتعف عن أية ابتذال أو تهاون أو تهويل .. علاقة ركيزتها الألفة والمودة والقبول اللامشروط .. أتذكر المقولة الخالدة ، بأن سيدنا آدم عليه السلام ، عندما شعر بالوحدة ، خلق الله عز وجل سيدتنا حواء عليها السلام .. ولم يخلق غيرها .. أهل أو أصدقاء أو جيران .. فقط هي تكفي لكي تسود السكينة والسلام والحب كل الآرجاء ..
يسميها القرآن الكريم: "زهرة الحياة" ، تلك التسمية التي تُحير الكثيرين في مضمون معناها ، أللهم من أدرك أسرار لغة الضاد .. تلك هي العلاقة الحميمية التي وصف أساسها المصطفى صلى الله عليه وسلم ، بأنها المرآة التي هي أحد أحب شيئين إليه صلى الله عليه وسلم: "النساء والطيب" ، وهي كذلك نصف الدين ، ووصية الرفق ، ومحط السكينة ، وخير الدنيا ، والمعين في الدرب ، وسر المودة والرحمة .. إنها سر الوجود الدنيوي الذي يتجاوز حفظ النوع والترفيه الحسي والشعوري إلى أبعاد صوفية روحانية ، محيرة للكُتاب والشعراء والفلاسفة في سائر التواريخ والأثنيات والثقافات .. هكذا لا أجد مضموناً معرفياً راسخاً لمصطلحات النسوية أو الرجولية .. على حد سواء ..
وللحديث بقية .............................

No comments:
Post a Comment