في القرون الوسطى، وُلد نظام غريب جمع بين الدين والسيف… " الفرسان التوتونيون".
عبر بحر البلطيق، غزوا أراضي "الوثنيين" في ليتوانيا وبروسيا، وأقاموا دولة عسكرية صارمة من القلاع الحجرية والانضباط الحديدي.
رفعوا راياتهم البيضاء المرسوم عليها الصليب الأسود، واعتبروا أنفسهم حماة الإيمان، بينما رأى الآخرون فيهم قوة استعمارية تفرض دينها بالقوة.
انهارت دولتهم في النهاية، لكن آثارهم ما زالت ماثلة في مدن الشمال… حيث تختلط أسوارهم بالحكايات عن الدين، والغزو، والطموح البشري حين يختبئ خلف القداسة.
بعد قرون من التوسع في بروسيا وليتوانيا، واجه الفرسان التوتونيون خصمًا لا يمكنهم مجابهته بالقوة وحدها — مملكة بولندا والدوقية الليتوانية. في عام 1410، وقعت معركة غرونفالد (Grunwald)، واحدة من أعظم المعارك في العصور الوسطى، وانتهت بهزيمة ساحقة للفرسان.
من بعدها بدأ الانهيار التدريجي: القلاع سقطت، النفوذ تآكل، والهيبة تبخرت.
في القرن السادس عشر، جاء الضربة الأخيرة: الأمر الأعلى (Grand Master) نفسه، ألبرخت من هوهنتسولرن، تخلى عن نذوره الدينية، اعتنق البروتستانتية، وحوّل أراضي النظام إلى دوقية بروسيا تحت حماية بولندا.
بهذا انتهى النظام كقوة عسكرية-دينية، وتحول رمزيًا من "جيش الرب" إلى مجرد دولة إقطاعية.
لاحقًا، من تلك الدوقية نفسها، ستولد مملكة بروسيا التي أسست ألمانيا الحديثة — بمعنى آخر، إرث الفرسان التوتونيين لم يمت تمامًا، بل تغيّر شكله.

No comments:
Post a Comment