Monday, December 29, 2025

علي عبد اللطيف

 


في مدينةٍ على تخوم النيل والحدود…
وُلد طفل عام 1896 في وادي حلفا.
لم يكن يعرف يومها
أن اسمه سيُكتب لاحقاً في قلب السؤال الكبير:
من نحن؟
نشأ في بيتٍ عسكري،
أبٌ جندي،
وحياةٌ منضبطة،
وطفلٌ يتعلّم أن الوقوف منتصباً
ليس حركة جسد…
بل موقف روح.
كان في دمه السودان كله:
أبٌ من النوبة في جنوب كردفان،
وأمٌ من الدينكا في جنوب البلاد.
وكأن القدر أراد أن يصوغ فيه
فكرة الوطن
قبل أن تُكتب في الدساتير.
كبر الفتى…
ودخل كلية غوردون التذكارية،
ثم المدرسة الحربية المصرية،
وتخرّج ضابطاً عام 1914.
لكن السلاح لم يكن شغفه الأول،
كان السؤال.
سؤال الحرية،
وسؤال الكرامة،
وسؤال: لماذا لا يكون هذا البلد لأهله؟
أنا سوداني
في عام 1922
كتب مقالاً بعنوان: مطالب الأمة.
لم يكن مقالاً عادياً…
كان بياناً مبكراً للوطن.
طالب فيه بإنهاء الاحتكارات،
وبالمساواة في الوظائف،
وبحق السودانيين في تقرير مصيرهم.
رُفض نشر المقال.
واعتُقل صاحبه.
وفي قاعة المحكمة،
سأله القاضي الإنجليزي سؤالاً بسيطاً ظاهره…
خطيرٌ جوهره:
إلى أي قبيلة تنتمي؟
فأجاب بهدوء لا يشبه الصراخ
لكنه هزّ التاريخ:
أنا سوداني.
ومنذ تلك اللحظة
لم يعد الاسم مجرد اسم.
اللواء الأبيض… وبداية الحلم
بعد خروجه من السجن
أسس مع رفاقه في مايو 1924
جمعية اللواء الأبيض.
أول تنظيم سياسي سوداني
يقولها بوضوح:
الاستعمار يجب أن يرحل.
خرجت المظاهرات في الخرطوم وأم درمان،
وسارت الهتافات قبل أن تُنظَّم،
وكان اسمه في المقدمة.
اعتُقل مرة أخرى،
وحُكم عليه بالسجن عشر سنوات،
ونُفي إلى واو…
بعيداً عن المركز
وقريباً من الألم.
المنفى الطويل
انتهت مدة الحكم عام 1934،
لكن الاستعمار لم يُنهِ العقوبة.
قيل: أُصيب بالجنون.
تشخيصٌ سياسي
بلباسٍ طبي.
فحوصات لاحقة أثبتت سلامة عقله،
لكن القرار كان قد اتُخذ:
إبعاده…
وإسكاته.
نُقل سراً إلى القاهرة عام 1938،
وأُبقي في مستشفى تحت الإقامة الجبرية
حتى رحل عام 1948.
عشر سنوات من الصمت القسري،
لرجل كان صوته أعلى من السلاسل.
ما تبقى
لم يترك كتباً،
ولا خطباً مسجلة،
ولا قصوراً.
ترك جملة واحدة
تكفي وطناً كاملاً:
أنا سوداني.
اليوم يُذكر علي عبد اللطيف
كأحد أوائل من صاغوا
فكرة القومية السودانية،
ووحدة الشمال والجنوب،
قبل أن تُرسم الحدود بالكلمات.
سُمّيت باسمه شوارع وميادين،
لكن مكانه الحقيقي
ليس في اللافتات…
بل في الضمير.
لم يكن علي عبد اللطيف سياسياً فقط.
كان سؤالاً مفتوحاً…
وإجابةً شجاعة.
وكان — قبل كل شيء —
رجلاً
قال “أنا”
فقصد
الوطن كله..

No comments:

Post a Comment