في التاريخ البشري، هناك قانون اقتصادي قاسٍ لا يرحم:
"المدن التي تصنعها الطرق، تقتلها الطرق أيضاً".
في قلب الصحراء الأردنية، نحت الأنباط مدينتهم المعجزة "البتراء" في الصخر الوردي. لم تكن البتراء تملك جيشاً جراراً ولا موارد طبيعية هائلة، لكنها ملكت شيئاً أثمن: الموقع. كانت "بوابة البخور" القادمة من اليمن والجزيرة العربية نحو روما واليونان.
فرض الأنباط ضرائبهم على كل جمل يمر، وباعوا الماء والراحة للقوافل المنهكة، مكدسين ثروات خيالية. لكن، في القرن الأول الميلادي، اكتشف الرومان سر "الرياح الموسمية" في البحر الأحمر. أدركوا أن بإمكانهم نقل البضائع بالسفن من الهند ومصر مباشرة دون الحاجة للمرور بصحراء الأنباط ودفع ضرائبهم.
ببطء، تحول طريق التجارة من "البر" إلى "البحر". لم تُدمر البتراء في معركة فاصلة، بل "خُنقت" اقتصادياً. توقفت القوافل عن المرور، وهجرها سكانها بحثاً عن الرزق، لتنام المدينة الوردية قروناً طويلة تحت الرمال، لا يزورها إلا البدو والريح، حتى أُعيد اكتشافها في القرن التاسع عشر.
إلى الشمال، في البادية السورية، تكررت المأساة مع "تدمر" (Palmyra). كانت واحة النخيل هذه محطة الاستراحة الإجبارية لقوافل طريق الحرير بين الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية الرومانية.
من خلال الضرائب (التعريفة الجمركية)، بنى التدمريون أعمدة شاهقة ومسارح. وبلغ ثراؤهم وغرورهم حداً دفع ملكتهم "زنوبيا" لتحدي روما نفسها وإعلان الاستقلال. تمرد زنوبيا عام 267-272م أدى إلى تدميرها عسكريًا من قبل أورليان.
لكن سقوط تدمر لم يكن سببه عسكريا فقط (عام 273م)، بل لأن طرق التجارة العالمية بدأت تتغير وتتجنب المناطق المضطربة، مفضلة الطرق الشمالية عبر القسطنطينية أو الطرق البحرية. تحولت "عروس الصحراء" إلى قرية صغيرة متداعية بجوار أطلال عظمة غابرة، تذكّر العابرين بأن المال السياسي لا يدوم.
وفي عمق أفريقيا، كانت هناك قوة أخرى: "تمبكتو" في مالي. كانت هذه المدينة هي الميناء البري للصحراء الكبرى، حيث "يلتقي الجمل بالقارب" (نهر النيجر). كانت مركز تجارة الذهب والملح، ومحجاً للعلماء حيث كانت مخطوطات الكتب أغلى سلعة تُباع فيها، أغلى حتى من الذهب.
لكن مقتل تمبكتو جاء من المحيط الأطلسي. مع بدء عصر الاستكشاف الأوروبي في القرن الخامس عشر والسادس عشر، وصل البرتغاليون والأوروبيون بسفنهم إلى سواحل غرب أفريقيا.
لم يعد التجار بحاجة للمخاطرة بعبور "بحر الرمال" القاتل بقوافل الجمال لنقل الذهب، فأصبحوا ينقلونه بدل ذلك عبر الموانئ الساحلية. تغيرت بوصلة التجارة من "الداخل" (الصحراء) إلى "الساحل" (المحيط). انزوت تمبكتو في الظل، وتحولت من عاصمة عالمية للثقافة والمال إلى مدينة نائية ومعزولة تصارع الرمال الزاحفة.
وعلى طول طريق الحرير العظيم في آسيا الوسطى، كانت مدن مثل "سمرقند" و"بخارى" و"مرو" منارات للعالم الإسلامي. طالت هذه المدن سيوف المغول (التي دمرت مرو)، لكن الضربة القاضية لها كانت "سفينة فاسكو دا غاما".
بمجرد أن اكتشف الأوروبيون طريق رأس الرجاء الصالح للوصول إلى الهند بحراً، انهارت الجدوى الاقتصادية لطريق الحرير البري. السفينة الواحدة تحمل بضائع تعادل حمولة ألف جمل، وتصل أسرع وأرخص وأكثر أماناً من قطاع الطرق.
تحول طريق الحرير البري تدريجياً إلى طريق للأشباح والذكريات، وانطفأت أنوار تلك المدن العظيمة لتصبح مجرد نقاط نائية في ألعاب القوى الكبرى لاحقاً.
وهكذا، يخبرنا التاريخ أن الجغرافيا هي القدر، لكن التكنولوجيا (السفن، ثم القطارات، ثم الطائرات) قادرة على تغيير هذا القدر. تلك المدن لم تُهزم لأن أسوارها كانت ضعيفة، بل لأن العالم "غيّر طريقه"، ومن يخرج من طريق التجارة، يخرج من التاريخ، ليتحول من "مركز الكون" إلى مجرد "أطلال" تحكي قصة مجد كان يمر من هنا.. ثم مضى.

No comments:
Post a Comment