Saturday, December 27, 2025

القرن الأبيض

 


في مطلع القرن السابع عشر، وبينما كانت أوروبا تستعد لولوج العصر الحديث، قررت الطبيعة فجأة أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء. خفت ضوء الشمس، وتكاثرت البراكين في أنحاء العالم نافثة غبارها في الغلاف الجوي، لتدخل القارة العجوز في ما يعرف علمياً بـ "العصر الجليدي الصغير" (Little Ice Age)، وتحديداً خلال فترة "الحد الأدنى للنشاط الشمسي" (Maunder Minimum). لقد كان انقلاباً مناخياً شاملاً حول الفصول إلى كابوس أبيض لا ينتهي.
بدأ المشهد بتجمد الأنهار الكبرى. نهر التايمز في لندن، والدانوب في فيينا، وقنوات هولندا المائية، تحولت جميعها إلى طرق معبدة بالجليد الصلب، لدرجة أن الأسواق والمهرجانات كانت تقام فوق سطح النهر المتجمد. لكن خلف هذه الصورة الرومانسية، كان الموت يزحف ببطء.
قصر مواسم الصيف والأمطار الغزيرة الباردة أدى إلى تعفن المحاصيل في الحقول قبل نضجها. اختفى القمح، وماتت كروم العنب في مناطق لم تعرف الجليد من قبل. ضربت المجاعات القارة بلا رحمة. ففي فنلندا وإستونيا، مات ثلث السكان جوعاً في عامي 1696-1697. وفي فرنسا، كان الفلاحون يخلطون القليل من الطحين بنشارة الخشب، والجذور، وأحياناً الطين، لصنع "خبز" يسد رمق أطفالهم. تروي السجلات الكنسية عن أمهات في قرى الألب كن يطبخن الجلود والأحذية القديمة، وعن ذئاب جائعة تهاجم القرى في وضح النهار بحثاً عن أي لحم، حيواناً كان أم بشراً.
لم يستطع النظام الاجتماعي الهش الصمود أمام هذا الضغط. فالجوع "كافر" كما يقول المثل، وكافر بالسلطة تحديداً. اندلعت الثورات في كل مكان. ففي إنجلترا، وفرنسا، وروسيا، والدولة العثمانية (تمردات الجلالي)، ثار الفلاحون والفقراء ضد الملوك واللوردات الذين طالبوهم بالضرائب في وقت لا يجدون فيه ما يأكلونه.
ارتبط هذا المناخ القاسي بأطول وأعنف صراع في تاريخ أوروبا: "حرب الثلاثين عاماً" (1618-1648). يرى المؤرخون المناخيون اليوم أن قسوة الحرب لم تكن دينية فقط، حيث كانت "حرب موارد". فالجنود المرتزقة كانوا يجوبون القرى لسرقة مخزونات الطعام الشحيحة من الفلاحين، مما حول الحرب إلى مجاعة شاملة قضت على نصف سكان ألمانيا الوسطى.
أمام هذا الغضب الطبيعي، وقفت الكنيسة والمؤسسات التقليدية عاجزة. في البداية، فسر رجال الدين البرد بأنه "غضب إلهي"، ونظموا مسيرات للصلاة والتوبة، ورشوا الماء المقدس على الحقول المتجمدة، لكن الجليد لم يذب.
هذا العجز خلق أزمة إيمانية وفكرية، ودفع الناس نحو الهستيريا بحثاً عن "فاعل" بشري لهذه الكارثة. لم تكن صدفة أن ذروة "صيد الساحرات" في أوروبا تزامنت مع أشد سنوات البرد قسوة. آمن الناس أن الساحرات هن من "سرقن الشمس" وعقدن تحالفاً مع الشيطان لتجميد المحاصيل. أُحرقت آلاف النساء البريئات في سويسرا وألمانيا واسكتلندا بتهمة "صناعة الطقس السيء"، في محاولة يائسة وبدائية من المجتمع لاستعادة السيطرة على الطبيعة.
ولكن، من قلب هذه المعاناة، انكسرت أسطورة التفسير الغيبي للظواهر الطبيعية وبدأ بزوغ العقل. دفع البرد والمجاعة المفكرين للبحث عن حلول عملية. بدأ الاهتمام بالزراعة العلمية، وتجفيف المستنقعات، والأهم من ذلك: انتشار البطاطس. كانت البطاطس (القادمة من أمريكا) قد قوبلت بالرفض سابقاً، لكن لأنها تنمو تحت الأرض وتتحمل البرد وتوفر سعرات حرارية عالية، أصبحت طوق النجاة الوحيد الذي أنقذ ملايين الأوروبيين من الفناء، مغيرة العادات الغذائية للأبد.
كما أدى تغير المناخ إلى تحولات جيوسياسية. فبينما عانت الدول الجنوبية المعتمدة على الزراعة التقليدية، ازدهرت الدول الشمالية مثل هولندا وإنجلترا التي تكيفت بسرعة، وطورت أساطيل تجارية لجلب الحبوب، وابتكرت أنظمة تدفئة وملابس صوفية، مما مهد الطريق لصعودها كقوى عظمى استعمارية.
لقد كان "القرن الأبيض" درساً قاسياً. علم أوروبا أن الحضارة قشرة رقيقة جداً قد يكسرها انخفاض بضع درجات في الحرارة، وأن الجوع هو المحرك الحقيقي للتمرد، وأن العلم والابتكار (لا الخرافة) هما السلاح الوحيد للبقاء حين تغضب السماء.

No comments:

Post a Comment