لم يكن صعود ميخائيل غورباتشوف إلى سدة الحكم في مارس 1985 تلك "القشة" التي هبطت على ظهر جمل قوي فقصمته، لقد كان أشبه بمحاولة يائسة لترميم مبنىً عملاق نخر السوس أساساته لعقود. فالإمبراطورية السوفيتية التي ورثها هذا الزعيم الشاب نسبياً لم تكن في أوج قوتها، حيث كانت اشبه بمن يعاني من تصلب الشرايين: اقتصاد راكد يستنزفه سباق تسلح مجنون، حرب أفغانية نازفة، وتكنولوجيا متخلفة بسنوات ضوئية عن الغرب، وطبقة حاكمة هرمة (الغيرونتوقراطية) فقدت صلتها بالواقع.
جاء غورباتشوف بنوايا صادقة لإنقاذ الشيوعية لا لتدميرها، حاملاً مشرطين جراحيين: "البريسترويكا" (إعادة الهيكلة الاقتصادية) و"الغلاسنوست" (الشفافية والمصارحة). لكن مأساته التاريخية كمنت في أنه، وبحس رومانسي مثالي، سحب "حجر الزاوية" الذي كان
يمسك بنيان الاتحاد السوفيتي المتهالك، ألا وهو "الخوف".
بمجرد أن فتح نوافذ "الغلاسنوست" ليدخل الهواء النقي إلى الغرف المغلقة، دخلت العاصفة. فقد سمح للشعوب المقهورة بالتعبير عن رأيها لأول مرة، فبدلاً من أن يشكروا الحزب على الإصلاح، صبوا جام غضبهم على عقود من القمع، وانفجرت النعرات القومية المكبوتة في البلطيق والقوقاز وأوكرانيا، التي رأت في ضعف القبضة المركزية فرصة تاريخية للهروب من السجن الكبير. وفي الوقت ذاته، تسببت إصلاحاته الاقتصادية "نصف المحافظة ونصف الليبرالية" في فوضى عارمة، حيث دمرت نظام التخطيط المركزي القديم دون أن تنجح في بناء نظام سوق بديل، مما أدى لاختفاء السلع وظهور طوابير الخبز، ففقد المواطن البسيط أمانه الغذائي.
استقالة ميخائيل غورباتشوف في الخامس والعشرين من ديسمبر 1991 لم تكن سوى الفصل الأخير والبروتوكولي في مسرحية الانهيار، فقد سبقتها "طعنة بروتوس" الحقيقية في غابة بيلوفيج البيلاروسية يوم الثامن من ديسمبر 1991، حيث اجتمع قادة روسيا (بوريس يلتسين)، وأوكرانيا (ليونيد كرافشوك)، وبيلاروسيا (ستانيسلاف شوشكيفيتش) سراً، وقرروا حل الاتحاد السوفيتي واستبداله برابطة الدول المستقلة، تاركين غورباتشوف رئيساً لكيان لم يعد موجوداً على الخريطة. وفي تلك الليلة الباردة، أُنزل العلم الأحمر ذو المنجل والمطرقة من فوق مبنى الكرملين للمرة الأخيرة في الساعة 7:32 مساءً بهدوء جنائزي، ليُرفع مكانه علم روسيا الثلاثي الألوان (الأبيض والأزرق والأحمر) الذي أعيد اعتماده رسمياً من الجمهورية الروسية الفيدرالية، معلناً نهاية أكبر تجربة شيوعية في التاريخ، وتحول خمس عشرة جمهورية كانت متحدة إلى دول مستقلة تبحث عن هويتها وسط الركام، حيث ورثت روسيا الاتحادية المقعد النووي والدولي، لكنها ورثت معه تركة ثقيلة من الديون والإحباط.
وما إن انقشع غبار الانهيار السياسي، حتى دخلت المنطقة في حقبة التسعينيات التي يصفها الروس بـ"السنوات الملعونة"، حيث طُبقت سياسة "العلاج بالصدمة" الاقتصادية ابتداءً من يناير 1992، مما دمر المدخرات وحول ملايين المواطنين الذين اعتادوا رعاية الدولة إلى فقراء بين عشية وضحاها، بينما صعدت طبقة جديدة وشرسة من "الأوليغارشية" (حيتان المال) الذين استولوا على مصانع وموارد الدولة العملاقة بأسعار بخسة عبر برنامج "القروض مقابل الأسهم" في نوفمبر-ديسمبر 1995، في أكبر عملية نقل ملكية في التاريخ. وتحول الفراغ الأمني إلى حروب عرقية دموية في القوقاز وآسيا الوسطى (مثل حرب الشيشان الأولى التي اندلعت في ديسمبر 1994، والنزاع في ناغورنو-كاراباخ الذي تصاعد بعد 1991)، لتصبح تركة الاتحاد السوفيتي عبارة عن خرائط ممزقة، ومافيا منظمة، وشعوب تائهة تحن لأمان الأمس رغم قسوته.
يمكن القول إن غورباتشوف لم يكن "القشة"، وانما "المُعجّل" (Catalyst) لسقوط الاتحاد السوفيتي. لقد حاول إصلاح المحرك والقطار يسير بأقصى سرعة، فخرج القطار عن القضبان. لم يسقط الاتحاد السوفيتي بسببه فقط، فقد كان ميتاً سريرياً قبل مجيئه، لكن غورباتشوف هو من امتلك الجرأة (أو ربما السذاجة) لرفع الأجهزة عن المريض، معتقداً أنه سيتنفس وحده، ليتفاجأ العالم في ليلة عيد الميلاد عام 1991 بالعلم الأحمر ذي المنجل والمطرقة ينزل للمرة الأخيرة من فوق الكرملين، معلناً أن الرجل الذي أراد أن يكون "مخلص" الاتحاد، انتهى به المطاف ليصبح "حفار قبره".

No comments:
Post a Comment