عام 1347م، رست بضع سفن جنوية قادمة من شبه جزيرة القرم في ميناء "ميسينا" بصقلية. كان البحارة على متنها إما موتى أو يلفظون أنفاسهم الأخيرة، تغطي أجسادهم دمامل سوداء مخيفة وتنزف الدماء من مسامهم. ظن أهل الميناء أنهم يواجهون مرضاً غامضاً، لكنهم في الحقيقة كانوا يستقبلون "نهاية العالم" كما عرفوه. زحف "الموت الأسود" (الطاعون) من الموانئ إلى المدن، ومنها إلى الأرياف، ليحصد في غضون أربع سنوات فقط ما يقارب نصف سكان القارة الأوروبية.
في وقتٍ تعلقت فيه أبصار المنجمين بالسماء بحثاً عن نذير شؤم في حركة الكواكب، وتطاردت شائعات التسميم بين الناس، كان القاتل الحقيقي يزحف بصمتٍ في عالمٍ أدق وأخفى من كل تلك التصورات. بكتيريا شرسة تُدعى "يرسينيا بيستيس"، اتخذت من البراغيث التي تسكن فراء الجرذان السوداء وسيلة مواصلات فتاكة. سافرت هذه الجرذان كـ "ركاب غير شرعيين" عبر قوافل طريق الحرير القادمة من آسيا، ثم اختبأت في أقبية السفن التجارية، لتنشر الموت بلدغة صغيرة. وفي زمن لم يكن المجهر قد اختُرع فيه بعد، وقف أطباء أوروبا عاجزين، يرتدون أقنعة المناقير الطويلة المحشوة بالأعشاب لصد "الهواء الفاسد" (Miasma) الذي ظنوه السبب. فبينما انصبت جهودهم على تجنب الأنفاس، كان القاتل الحقيقي يسرح آمناً في فراء القوارض، ليثبَ مستهدفاً دماءهم.
تحولت المدن المكتظة، مثل فلورنسا وباريس ولندن، إلى مقابر مفتوحة. يصف الأديب الإيطالي "جيوفاني بوكاتشيو" المشهد برعب قائلاً إن هول الكارثة انتزع الرحمة من قلوب البشر. فالآباء هجروا أبناءهم المصابين، والأزواج فروا من زوجاتهم، وتُركت الجثث لتتعفن في المنازل أو تُكدس في عربات وتُرمى في خنادق جماعية بلا صلاة أو وداع. سقطت هيبة الموت، وتساوى الجميع أمامه. الفلاح في كوخه والنبيل في قلعته، فلا الأسوار العالية ولا الصلوات المتواصلة استطاعت إيقاف هذا "العدو الخفي".
لكن، ومن وسط هذا الركام الجنائزي، حدث الأمر الذي لم يكن في الحسبان: "الندرة صنعت القوة".
قبل الطاعون، كانت أوروبا تعاني من التضخم السكاني. اليد العاملة رخيصة جداً، والفلاح (القن) مربوط بالأرض كعبد لسيده الإقطاعي، لا يملك حق الرحيل أو التفاوض.
بعد الطاعون، اختفى نصف العمال والفلاحين. فجأة، وجد اللوردات والنبلاء أنفسهم يملكون أراضٍ شاسعة ولا يجدون من يزرعها. انقلبت الموازين. ولأول مرة في التاريخ، أصبح الفلاح هو الطرف الأقوى. طالب الناجون بأجور أعلى، وبشروط عمل أفضل، وحين رفض النبلاء، هجر الفلاحون أراضيهم ورحلوا إلى مدن أو أراضٍ أخرى تدفع أكثر.
أصدرت الحكومات قوانين يائسة (مثل قانون العمال في إنجلترا) لتجميد الأجور ومنع تنقل الفلاحين، لكن ذلك لم يؤدِ إلا لإشعال "ثورات الفلاحين" لاحقاً. لقد كسر الطاعون، دون قصد، العمود الفقري للنظام الإقطاعي الذي حكم أوروبا لقرون، ممهداً الطريق لظهور طبقة وسطى جديدة.
أما الكنيسة الكاثوليكية، المؤسسة الأقوى في ذلك العصر، فقد تلقت ضربة موجعة في صميم مصداقيتها. حيث مات الكهنة والأساقفة بنفس الوتيرة التي مات بها الخطاة، مما زعزع الثقة في أن الكنيسة تملك "مفتاح النجاة". وأمام عجز المؤسسة الدينية، لجأ الناس إلى تطرف هستيري. ظهرت جماعات "الجلادين" (Flagellants) الذين جابوا الشوارع يضربون أنفسهم بالسياط تكفيراً عن ذنوب البشرية، بينما بحث آخرون عن "كبش فداء"، فصبوا جام غضبهم على الأقليات، متهمين إياهم بتسميم الآبار، في موجة مذابح مروعة.
هذا الفشل الروحي والمؤسسي للكنيسة في تفسير أو وقف الكارثة زرع البذور الأولى للشك، والنقد، والرغبة في علاقة مباشرة مع الله، وهو ما مهد التربة لاحقاً لحركة "الإصلاح الديني".
تغيرت نفسية الإنسان الأوروبي للأبد. سيطر هوس الموت على الفنون، فظهر نمط "رقصة الموت" (Danse Macabre). لوحات تصور الهياكل العظمية وهي ترقص مع الملوك والباباوات والشحاذين، لتذكير الجميع بأن "الموت هو السيد الوحيد". لكن هذا القرب من العدم ولد أيضاً رغبة جارفة في الحياة. "بما أننا سنموت غداً، فلنعش اليوم".
كان الموت الأسود بمثابة "زر إعادة الضبط" القاسي للقارة العجوز. لقد دمر أجساد الملايين، لكنه حرر عقول وسواعد من بقوا. فمن رحم تلك المقابر الجماعية، خرج مجتمع أقل خضوعاً للإقطاع، وأقل يقيناً بالمسلمات القديمة، وأكثر واقعية، ليبدأ السير ببطء نحو عصر النهضة، حاملاً ندبة لا تُمحى في ذاكرته الجمعية.
No comments:
Post a Comment