في قلب البحر الأبيض المتوسط، حيث تلمع المياه بزرقة الياقوت وتحرس الأمواج شواطئ جزيرة "كريت"، بزغ فجر حضارة استثنائية قبل نحو خمسة آلاف عام. كانت تلك "الحضارة المينوية"، المهد الأول لأوروبا، والتي سبقت فلاسفة أثينا ومحاربي إسبرطة بقرون طويلة. لقد كانت إمبراطورية تجارية ناعمة، حكمت البحار بأشرعة السفن، ودقة الحرفية وبراعة الفن.
تميزت هذه الحضارة بلغز حيّر المؤرخين طويلاً: غياب الأسوار. فبينما كانت مدن الشرق القديم تحتمي خلف حصون شاهقة خوفاً من الغزاة، كانت المدن المينوية مفتوحة، تعانق البحر بثقة مطلقة. كان المينويون يؤمنون بأن "أسطولهم الخشبي" هو سورهم الحصين، وأن البحر ليس سوى طريق ملكي يربطهم بمصر والشام والأناضول.
في مركز هذا العالم، شيدوا قصر "كنوسوس" العظيم. لم يكن مجرد مسكن للملك، حيث كان مدينة داخلية معقدة، تتألف من أكثر من ألف غرفة، وممرات متداخلة، وسلالم تربط طوابق متعددة، ونظام صرف صحي. هذا التعقيد المعماري المذهل هو الذي ألهم الأساطير اليونانية لاحقاً لنسج حكاية "المتاهة" (Labyrinth) التي يسكنها وحش المينوتور، رغم أن الواقع كان أجمل بكثير من الأسطورة. جدران تزينها لوحات جدارية (فريسك) بألوان زاهية، تصور دلافين تقفز بمرح، ونساء بملابس أنيقة وصدور مكشوفة، وشباباً مفتولي العضلات.
كان المجتمع المينوي ينبض بحب الحياة والاحتفاء بالطبيعة. وكانت طقوسهم الدينية والرياضية تتجسد في مشهد فريد يُعرف بـ "قفز الثيران". في الساحات العامة، كان المصارعون يمارسون رقصة بهلوانية خطرة ومقدسة مع الثيران. حيث يركض الشاب أو الفتاة نحو الثور الهائج، ويمسكون بقرنيه، ليقذفهم الحيوان بقوته في الهواء، فيقومون بشقلبة رشيقة فوق ظهره ويهبطون بسلام خلفه. كانت تلك اللحظة تلخيصاً لفلسفتهم: ترويض القوة الوحشية بالرشاقة والمهارة، لا بالعنف والدماء.
كما تمتعت المرأة المينوية بمكانة رفيعة ونادرة في العالم القديم، فظهرت في الرسومات تقود الطقوس الدينية وتجلس في مجالس الحكم، وتعبد "الآلهة الأفعى" التي ترمز لخصوبة الأرض وتجدد الحياة.
ظلت كريت لقرون لؤلؤة المتوسط، تتاجر بالزعفران، والزيت، والخزف الرقيق، وتكتب سجلاتها بخط غامض (الخطي "أ") الذي لم ينجح أحد في فك رموزه حتى اليوم. لكن الطبيعة، التي عبدوها، كانت تخبئ لهم دماراً شاملاً.
في حوالي عام 1600 قبل الميلاد، استيقظ وحش نائم في جزيرة "ثيرا" (سانتوريني حالياً) الواقعة شمال كريت. انفجر البركان في واحد من أعنف الأحداث الجيولوجية في تاريخ البشرية. قذف الانفجار مليارات الأطنان من الرماد الذي حجب الشمس وحول النهار إلى ليل دامس، وتلا ذلك تسونامي هائل، اندفع جنوباً ليضرب سواحل كريت الشمالية. تحطم الأسطول المينوي العظيم (مصدر قوتهم وحمايتهم) في لحظات، وغمرت المياه المالحة الحقول الخصبة.
نجا البعض من الكارثة، لكن الحضارة كانت قد تلقت ضربة قاصمة في عمودها الفقري. استمرت الحضارة المينوية، لكن مع ضعف الأسطول وخراب الاقتصاد، أصبحت الجزيرة المسالمة فريسة سهلة. زحف "الموكيانيون" (أجداد الإغريق المحاربين) من البر الرئيسي اليوناني، واحتلوا القصور المتهالكة، وحلوا محل الحكام القدامى.
احترقت كنوسوس، وغطى التراب أمجاد المينويين لثلاثة آلاف عام، حتى جاء عالم الآثار البريطاني "آرثر إيفانز" في مطلع القرن العشرين، ليزيح الغبار عن العرش الحجري القديم، ويعيد للعالم حكاية شعبٍ عشق الزهور والرقص، وصنع أول "تحضر" في تاريخ القارة العجوز قبل أن يبتلعه البحر والنار.
No comments:
Post a Comment