برغم طول علاقتنا المتشابكة والمعقدة، هي لم تتعرى أمامي على هذا النحو من قبل..
لقد بدت خالية من كل ملامح الحسن التي أسرت وجداني ذات يوم .. وبرزت خشونة وفوضى عظامها على نحو مزعج .. بل اجتاجت الترهلات جسدها الملفوف .. وخلت ابتسامتها من أية جاذبية آسرة .. بينما صبغ الاصفرار والكسور أسنانها التي كانت ذات يوم ناصعة خلف شفاه دافئة .. وللأسف تحول عطر أنفاسها إلى خلط كيميائي منفر..
قيل؛ لن تعرف آخاك حتى تنعقد بينكما معاملات .. إذ الحقيقة تبرز متزامنة مع النفع الشخصي .. وهكذا، لن تعرف أي مدينة قبل أن تبدأ نشاطاً تتجلى من خلاله بيروقراطية إدارتها ومناخها العقلي وقيمها الجمالية .. كلاً من الزائر والمواطن لديهما حساسية تجاه مفردات العيش والمعاملات .. غير أن الغريب تكون حساسيته أكبر، وتذوقه أكثر نقداً، وتفاعله مع المشهد الحضري أعمق ..
العلاقة بين الانسان والمدينة تتجاوز المعاني والتعاريف المعهودة.. هي ليست عادة، أو صداقة أو حميمية أو نفعية، بل هي الهوية المتبادلة بينهما.. في أساسها ثقافة وذاكرة المكان التي لا غنى عنها، لاستكمال البناء المعرفي للانسان ..
المكان ممكن أن يكون أي مكان للاقامة الدائمة أو المؤقتة؛ قرية ، وادي، مستوطنة، أو عزبة بدو.. غير أن المدينة تملك من التنوع والتأثير ما يفوق أي مكان آخر.. هكذا تتحول لتكون بضعة من الوجدان ..
ولهذا، بمقدورك أن تنتزع أي انسان من أي مدينة.. ولكن هيهات هيهات أن تنتزع المدينة منه ..
هكذا، اكتشفت أن علاقتي بهذه المدينة لم تكن وجدانية، بل مؤقتة مغلفة بصداقة لم بما يكفي ويستدام وتتجذر في العمق..
هكذا اكتشفت أنني بلا مدينة ، وذلك أكثر مرارة من فقدان الوطن..

No comments:
Post a Comment