بينما كانت واشنطن تغرق في سكون الفجر، تسلل ضوء خافت من نوافذ وزارة الخارجية ليشهد على توقيع واحدة من أغرب الوثائق في التاريخ. في تلك الساعات الأولى من صباح الثلاثين من مارس 1867م، كان وزير الخارجية الأمريكي "ويليام سيوارد" والدبلوماسي الروسي "إدوارد دي ستوكل" يوقعان، في الساعة الرابعة فجراً، على وثيقة ستغير خريطة العالم للأبد. أرض مساحتها ضعف مساحة تكساس، تنتقل ملكيتها مقابل 7.2 مليون دولار فقط، أي بخصم هائل جعل الفدان الواحد يساوي سنتين اثنين.
على الجانب الآخر من العالم، في قصر الشتاء بسانت بطرسبرغ، كان القيصر "ألكسندر الثاني" يتنفس الصعداء. بالنسبة لروسيا، لم تكن ألاسكا (التي كانت تسمى أمريكا الروسية) سوى عبئاً استراتيجياً مرعباً. كانت الإمبراطورية الروسية منهكة بعد هزيمتها المذلة في "حرب القرم" وتواجه ضائقة مالية خانقة.
نظر القادة الروس إلى الخريطة برعب. كانت ألاسكا بعيدة، معزولة، ومحمية بـ "شركة الفراء الروسية الأمريكية" التي أفلست بعد استنزاف حيوانات القضاعة البحرية. وكان الهاجس الأكبر هو العدو اللدود: بريطانيا العظمى. كانت المستعمرات البريطانية في كندا تتاخم ألاسكا، وأدرك الروس أنه إذا اندلعت حرب جديدة، سيبتلع البريطانيون ألاسكا مجاناً ولن يستطيع الأسطول الروسي حمايتها. لذا، نضجت الفكرة في عقل القيصر وأخيه الدوق قسطنطين: "لنبعها للأمريكيين، فنقبض المال، ونخلق منطقة عازلة". لقد كانت رؤية استراتيجية للبريطانيين بمحاصرتهم بين الولايات المتحدة وألاسكا.
عاد سيوارد بالوثيقة إلى الكونغرس منتشياً، متوقعاً الترحيب، لكنه قوبل بعاصفة من السخرية والتهكم. ضجت الصحف الأمريكية بالرسوم الكاريكاتورية، واصفة الصفقة بأسماء مضحكة: "حماقة سيوارد"، و "صندوق ثلج سيوارد"، و"حديقة الدببة القطبية". تساءل النواب والشعب: لماذا ندفع المال مقابل صخور متجمدة لا يسكنها سوى الإسكيمو والفظ؟
لكن سيوارد، التوسعي العتيد، كان ينظر أبعد من أنوف منتقديه. حيث كان يرى في ألاسكا قاعدة بحرية تضمن سيطرة أمريكا على المحيط الهادئ، وجسراً تجارياً يربط القارة الأمريكية بأسواق الصين واليابان، وخطوة استراتيجية لتطويق النفوذ البريطاني في كندا وربما إجبارها مستقبلاً على الانضمام للاتحاد الأمريكي.
مرت سنوات بدت فيها ألاسكا وكأنها صفقة خاسرة، أرض منسية يديرها الجيش بلا اهتمام. ولكن في عام 1896، صرخت الأرض في وجه المشككين. اكتُشف الذهب في "كلوندايك" و"نوم"، وتدفق آلاف الحالمين إلى الشمال. في عقود قليلة، استعادت الخزانة الأمريكية أضعاف ما دفعته ثمناً للأرض.
إلا أن القيمة الحقيقية للصفقة ظهرت مع اندلاع الحرب الباردة في منتصف القرن العشرين. حيث تحولت "حماقة سيوارد" إلى "خط الدفاع الأول". وجد الأمريكيون أنفسهم وجهاً لوجه مع الاتحاد السوفيتي عبر مضيق بيرينغ. تحولت ألاسكا إلى قلعة مدججة بالرادارات (نظام الإنذار المبكر DEW Line) والقواعد الجوية، وبدلاً من أن تكون نقطة ضعف روسية، أصبحت خنجراً أمريكياً في خاصرة موسكو، يمنع القاذفات السوفيتية من الوصول إلى قلب أمريكا.
ومع اكتشاف حقول النفط العملاقة في "خليج برودو" في الستينيات، اصبحت ألاسكا شريان طاقة رئيسي للولايات المتحدة.
أثبت التاريخ أن "الصفقة الليلية" التي سخر منها الجميع كانت ضربة معلم جيوسياسية. فقد تخلص الروس من أرض ظنوها عبئاً، ليكتشفوا لاحقاً أنهم باعوا مفاتيح القطب الشمالي وموارد لا تقدر بثمن لخصمهم المستقبلي، بثمن بخس لا يكفي اليوم لشراء يخت فاخر، بينما أثبت ويليام سيوارد أن الرؤية الاستراتيجية تصحح نفسها ولو بعد حين.
No comments:
Post a Comment