في ظهيرة الخامس عشر من أغسطس عام 1945، وقف الملايين من اليابانيين وسط الأنقاض، يحنون رؤوسهم بذهول وهم يستمعون لأول مرة في التاريخ لصوت إمبراطورهم "هيروهيتو" عبر المذياع، يعلن بصوت مرتجف قبول "ما لا يطاق". الهزيمة والاستسلام غير المشروط. كانت تلك اللحظة هي "ساعة الصفر" الحقيقية لأمة تحولت مدنها الكبرى، من طوكيو إلى هيروشيما، إلى صحاري واسعة من الرماد الأسود، حيث الجوع ينهش البطون، والمصانع مدمرة، والروح المعنوية مسحوقة تحت أقدام "الشوغون الأمريكي الجديد"، الجنرال دوغلاس ماك آرثر.
ساد اليابان في السنوات الأولى شعور عام بالخدر واليأس عُرف بـ "كيوداتسو" (Kyodatsu). كان الناس ينامون في أنفاق المترو، ويبحثون عن الطعام في القمامة، وبدا أن الشمس قد غربت عن "أرض الشمس المشرقة" للأبد. لكن، وفي عمق تلك العتمة، بدأت معجزة بشرية تتشكل ببطء، لم تعتمد على الموارد الطبيعية التي تفتقر إليها اليابان أصلاً، بل اعتمدت على المورد الوحيد المتبقي: الإنسان الياباني وعقليته الصلبة.
اتخذت اليابان قراراً جماعياً صامتاً ومذهلاً، نابعاً من عمق تراث "الساموراي" وروح "الغامان" (الصبر والتحمل): "لن نبكي على الأطلال". لم تضيع الأمة وقتاً في ندب حظها، أو المطالبة باعتذارات دولية، أو اجترار مشاعر الضحية والانتقام. لقد أدرك اليابانيون ببراغماتية قاسية أن الدموع لا تبني الجسور، وأن الشكوى للأمم المتحدة لن تطعم الجياع. وبدلاً من النظر إلى الخلف بغضب، نظروا إلى الأمام بتركيز حاد، محولين طاقة "الإذلال العسكري" إلى وقود لـ "الانتقام الاقتصادي".
لكن، هل كان هذا "الجلد الياباني" وحده صانع المعجزة؟
هنا يتدخل مبضع التحليل التاريخي لكشف الحقيقة المركبة التي قد لا تروق لعشاق القصص الرومانسية الوطنية البحتة. تشير الأبحاث الاقتصادية والوثائق المرفوعة عنها السرية إلى أن اليابان، في لحظة سقوطها، تلقت "قبلة حياة" استراتيجية من عدوها المحتل.
في البداية، كانت الخطة الأمريكية التي تشبه (خطة مورغنثاو) تهدف لتحويل اليابان إلى دولة زراعية ضعيفة بلا أنياب. لكن في عام 1947، تغير العالم. اندلعت "الحرب الباردة"، وسقطت الصين في يد الشيوعية، وباتت أمريكا بحاجة ماسة إلى "حليف قوي" في شرق آسيا لصد المد الأحمر. هنا حدث ما يُعرف تاريخياً بـ "المسار العكسي" (Reverse Course). ضخت واشنطن مليارات الدولارات عبر برامج المساعدات (GARIOA و EROA)، وفتحت أسواقها الاستهلاكية الضخمة للبضائع اليابانية الرخيصة، وقدمت التكنولوجيا الغربية لليابانيين على طبق من ذهب. إذن، لم يكن النهوض "عصامياً" بالمطلق، بل كان نتاج تزاوج بين "الرعاية الأمريكية الاستراتيجية" و "العبقرية التنفيذية اليابانية". أمريكا وفرت السقالة والتمويل، واليابان وفرت العرق والإتقان.
وفي عام 1950، اندلعت الحرب الكورية المجاورة. تحولت اليابان فجأة إلى "القاعدة الخلفية" للجيش الأمريكي. طُلبت الشاحنات، والملابس، والقطع الميكانيكية، مما أعاد تشغيل المصانع الصامتة. أطلق رئيس الوزراء الياباني حينها "يوشيدا شيغيرو" عبارته الشهيرة: "إنها هدية من الآلهة".
لكن المال وحده لا يصنع المعجزات. ما حدث بعد ذلك كان ثورة في "الفلسفة" قادها رجال أعمال حالمون خرجوا من الأكواخ. رجال مثل "إيبوكا ماسارو" و"أكيو موريتا"، اللذين أسسا شركة صغيرة في مبنى متهالك بسقف يسرب المطر، أسمياها لاحقاً "سوني". قرر هؤلاء ألا يقلدوا الغرب في منتجاتهم، بل أن يتفوقوا عليه بالجودة والدقة، متبنين فلسفة "كايزن" (التحسين المستمر). تحول العامل الياباني، "السالاريمان" (Salaryman)، إلى ساموراي جديد يرتدي بدلة العمل، يضحي بوقته وراحته من أجل المؤسسة، مؤمناً أن نهوض الشركة هو نهوض لليابان كلها.
وفي غضون عقد ونصف فقط، تحول الرماد إلى ناطحات سحاب. وكانت اللحظة الرمزية التي أعلنت للعالم أن اليابان قد عادت، هي دورة ألعاب طوكيو الأولمبية عام 1964. في ذلك العام، لم تعرض اليابان عضلات رياضييها فحسب، حيث كشفت عن "الوحش التكنولوجي" الجديد: قطار "الشينكانسن" (الطلقة)، الذي انطلق بسرعة خيالية أمام جبل فوجي، رابطاً طوكيو بأوساكا، وكأنه يربط الماضي بالمستقبل.
بحلول الثمانينيات، كانت المعجزة قد اكتملت. السيارات اليابانية تغزو شوارع أمريكا التي قصفته، والإلكترونيات اليابانية في كل بيت أوروبي. تحولت الدولة التي سُويت بالأرض إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، مثبتة درساً تاريخياً مذهلاً: أن الهزيمة العسكرية المذلة يمكن أن تكون وقوداً لانتصار اقتصادي أعظم.
لكن سؤال "الاستقلال والتبعية"، هو الجرح النرجسي الذي لا يزال ينزف في الخاصرة اليابانية. فمنذ توقيع معاهدة سان فرانسيسكو 1951، قبلت اليابان بـ "صفقة يوشيدا" (نسبة لرئيس الوزراء يوشيدا شيغيرو): التنازل عن حقها في امتلاك جيش هجومي، والسماح للقواعد الأمريكية باحتلال أجزاء استراتيجية من أراضيها (خاصة أوكيناوا)، مقابل أن تتكفل أمريكا بحماية اليابان عسكرياً، لتتفرغ اليابان كلياً للاقتصاد.
No comments:
Post a Comment