يوثق الفنان الروسي "فلاديمير ماكوفسكي" في لوحته الواقعية (الأُمّان) اصطداماً درامياً عنيفاً بين طبقات المجتمع الروسي في القرن التاسع عشر.
أسفر قرار الإمبراطور ألكسندر الثاني بتحرير الأقنان (الفلاحين) عن موجة عارمة من الفقر والتخبط الاقتصادي في الأرياف. زحفت جحافل الفلاحين نحو المدن الكبرى بحثاً عن النجاة. تحت وطأة الجوع والحاجة المادية القاهرة، اضطرت العديد من الأمهات الفلاحات إلى تسليم أطفالهن للعائلات البورجوازية الثرية، طمعاً في إنقاذ حياتهم وتأمين لقمة العيش لهم داخل القصور الدافئة.
مع مرور السنوات، تبدلت الأدوار ونمت روابط عاطفية وثيقة بين الأطفال وعائلاتهم المتبنية. وهنا، برزت ظاهرة اجتماعية قاسية وموثقة تاريخياً: عودة الأمهات البيولوجيات. استغلت بعض هؤلاء النسوة القوانين التي تمنحهن حق المطالبة بأبنائهن، لتحويل هذا الحق إلى ورقة ضغط علنية ومصدر للابتزاز المالي. أدركت الأم البيولوجية حجم الرعب الذي يسيطر على العائلة المتبنية من فكرة فقدان الطفل، فاستخدمت ذلك كسلعة للمقايضة، مطالبة بمبالغ طائلة مقابل التنازل الرسمي والمغادرة.
تجسد اللوحة هذا السياق التاريخي المحتقن بكل تفاصيله الدقيقة. نرى بوضوح اصطدام عالمين متوازيين: عالم الفلاحة الروسية المسحوقة التي قست عليها ظروف الحياة فجعلت من غريزة الأمومة مصدر استرزاق، وعالم الطبقة المخملية التي تضطر لشراء استقرارها النفسي وحبها العائلي بالمال.
No comments:
Post a Comment