Monday, April 6, 2026

هيجل بين الرواية والمسيحية


لم يتردَّد هيجل في التهكُّم على الرؤية المسيحية المدرسية التي تُبجِّل التجريد، وتزدري عالم الأشياء المُدركة حسيًّا، بل و"الجسد" نفسه، انطلاقًا من الاعتقاد بأن المجرَّد -بما هو منفصل عن الحس والجسد، وخالص في صورته العقلية- أسمى منزلة من العيني، سواء في ميدان المعرفة أم في ميدان القيمة؛ إذ رأى هيجل في هذا التصور فكرًا يعبد الكليَّ الفارغ على حساب الحقيقة المتعينة.
اللافت ان هذا الازدراء لم ينشأ باعتباره موقفًا ميتافيزيقيًّا بريئا بقدر ما كان انعكاس لتحول تاريخي نقل أوروبا من الرواقية (بأخلاق الـApatheia) إلى المسيحية (بلاهوتها القائم على الخلاص). فمنذ القرن الثاني ق م، تحولت الرواقية في روما، على أيدي سينيكا وإيبكتيتوس وماركوس أوريليوس، إلى فلسفة عملية تلائم واقعًا مضطربًا اتسعت فيه الفجوة بين النخبة الغنية والجماهير المهمشة، تحت ضغط العسكرة والبيروقراطية. لذلك بدت الرواقية مناسبةً كاعتقاد بما دعت إليه من ضبط الانفعالات، والتمييز بين ما نملكه وما لا نملكه، وقبول العالم كما هو. لكنها ظلت فلسفةً نخبوية؛ إذ وجدت فيها الطبقات المتعلمة تدريبًا عقليًّا، بينما وجد فيها العامة لغةً متعالية ومثاليةً تفوق طاقتهم. (1)
بالتالي، أنتجت هذه الظروف حاجةً إلى رؤيةٍ لا تفسر العالم بقدر ما تعد بالخلاص منه. ومن هنا صعدت المسيحية، لأنها لبت، في زمن الانهيار والقهر والمجاعات والتفاوت الطبقي، حاجةً عميقة إلى العدل والانتماء والمعنى. فقد قدمت وعدًا أخرويًّا بالقيامة والخلاص والعدل الإلهي، ومنحت الطبقات الدنيا أفقًا جديدًا بقولها إن الملكوت ليس من هذا العالم، وإن الويل للأغنياء(٢). كما هيأت الفلسفة (بفصلها المجرَّد عن العياني، ورُفع الكلي فوق الفردي، والثابت فوق المتغير، والماهية فوق التعين) الوعي لتقبل دينٍ يضع الحقيقة خارج العالم المحسوس. حتى بدا الإيمان بالمفارق وكأنه ليس وعدًا دينيًّا فحسب، بل مقتضى الحقيقة ذاتها. ومع تدهور الإمبراطورية الرومانية وتفكك قواها التقليدية، تراجعت قدرة الرواقية على الإلهام، بينما تمكنت المسيحية، عبر الكنيسة، من أن تتحول إلى الإطار الديني الأوسع، بفكرة الخلاص في الآخرة والتي أصبحت فكرة عابرة للقوميات.

(1) https://www.britannica.com/topic/Greek-philosophy/Hellenistic-and-Roman-philosophy 
(٢) إنجيل لوقا 6:24

No comments:

Post a Comment