الرواية التاريخية تأتي دوماً في سرديتين، الأولى قد تمتلئ بالكثير من الحقائق المختلطة بالاسقاطات الشعورية بأنواعها، وهي محط الأعجاب والعجب والشهرة.. والآخري تتكفل بتوثيق الأحداث وتحمل في طياتها مرجعيات تؤكد الصدق فيها، وهي مطلب الباحثين ومن ينشدون فهم حركة التاريخ والمجتمعات .. كلاهما مطلوب
د. بشير احمد محي الدين
نحن ياعزيزي المتامل علي شاطئ النيل الازرق السعيد او (بحر العاديك) قبالة حي المراكبيه وعلي شمالنا تبدو جزيرة الخرطوم (توتي) الخضراء وغربنا مقرن النيلين الوقت صباح يوم مشرق في صيف الخرطوم نقف نتامل الزحام، والبواخر تطلق صافراتها معلنه وصولها من الجنوب هي تحمل البضائع والمراكب الصغيرة تفرد اشرعتها، يجلس قربنا واحد من الرحاله ومستكشف اجنبي يضع فبعته ويحمل منظار مقرب وشنطه من الجلد علي كتفه ويدون في مشاهداته و(يدي ربه العجب).
هنا تسمع جلبه الحمالين يشحنون او يفرغون بجانب الباعه والرواكيب وبقال يساوم زبون حول السعر والعمله، مع اصوات حيونات النقل من الابل والحمير والخيول وهي تركض وتتسابق في نقل البضائع والحناطير الركاب يتزاحمون.
توجد هنا حانات يديرها اغاريق تقدم كوؤس الفرح المعبئ في الزجاج والمرتادين فالمواخير رالانادي لها رخصه وغير ممنوعه المرتادين يتحدثون لغات مختلفه فهنا تسمع العربيه والتركيه والانجليزيه والفرنسيه بجانب اللهجات المحليه و ضحكات الصبيه وبائعات الفول والتسالي واخرون .
عساكر الباشبزق والخطريه (القوات الخاصه) والعربان غير المنتظمه بازائهم المميزة يحملون بنادقهم الرامجتون وسياط ويضعون قبعة الجند المميزة غالبا ما تقع بينهم مشاكل يعلو صوتهم وفي نزاع دائم.
المكان صاخب فهو ميناء الخرطوم النيلي وثغرها التجاري، فالقواقل تنقل لسوق (الافرنجي) في وسط المدينه العاج وريش النعام القادم من اعالي النيل الابيض والصمغ العربي والسنمكه القادمة من كردفان، العاج اثمن تلك السلع، كما ان سوق القش والرواكيب (سوق العرب) يعج بالسلع المتنوعه التي تنقلها القوافل والبواخر للخرطوم، في ذلك العام فرضت الرسوم والضرائب العاليه واحتكرت بعض السلع مثل العاج لصالح الحكومه او قل عمالها المتعطشين لجمع الاموال فقد شاعت مقوله (ان باب الثراء يمر عبز الخرطوم)، وفي السوق يقول التجار (ايش معدوم في سوق الخرطوم).
هنا وقف الرحاله والمؤرخ الذي ساهم في وضع دستور الولايات المتحدة الامريكيه ببيلارد تيلر بباخرته التي ترفع علم اميركا قبطان باخرته دنقلاوي ماهر وخبير الملاحة في النيل الابيض فقد ارتقي اعالي النيل وكتب مشاهداته التي ضمنها في كتابه الشهير، ومن هنا مر غردون ليصبح حاكم مديريه خط الاستواء يرافقه الكاتب اليوناني ماركو بولو والصيدلي اليهودي من اصول تونسيه فيتا حسن وامين شنترز او امين باشا. بعدهم مر الهالك هكس واركان قوته بعد هذا التاريخ بحوالي ثمانيه سنوات، ومن هنا هربت من الحصار المهدوي الباخرة عباس تحمل ستبورات وقنصلي بريطانيا وفرنسا الذين ذبحوا في ديار المناصير علي يد الشيخ عثمان ود القمر في يوم الهبه، في نفس العام دخل الخرطوم علي متن باخرة محمود طلعت قدم معه عساكر ومستخدمين ملكيه لم يفارقوا ارض مصر (الكنانه) فكل ما شاهدوه كان من الغرائب والعجائب ومحمود هذا وضع كتابه غرائب الزمان في فتح السودان.
فالخرطوم التي كانت تنام بعد العشاء شهدت الاسكلا وصول افواج المنفيين من العوالم والغلمان الذين نفوا من مصر بسبب ارجيله فاصبحت ترقص وتهز وسطها طول الليل. رغم ان المدينه بها حي الجامع والخلاوي ومدرسه كتاتيب فتحت واغلقت علي عجل.
حركه الاسكلا من بشر وحيوانات النقل وقوراب خفيفه (الشروقه) والبوراج الحربيه وسفن البخار والسابلة الهائمين علي ووجهوهم.
قرب الاسكلا وليس ببعيد رحلت الترسانه من مشرع ود شلعي لتصنيع المراكب من خشب السنط المتوفر في غابة الخرطوم الا ان افندينيا محمد علي باشا الكبير اشار منهبا حكمدار الخرطوم خورشيد باشا بتجويد الصنعه التي تاتي من خرطوم ذاك الزمان.
هنا افرغ طوب سوبا في حمولة ٣٠٠ مركب بامر خورشيد هذا نفسه فقد طلب من الشيخ عبد السلام المغربي ان نقل عبد السلام الطوب تم سجنه بتهمه انه قد (نام بذهب سوبا ويجن) فكانت من حكاوي السابه كيف ان المغاربة قد اغتنوا من الذهب ولم تفك طلاسم الاحجيه عذه فقد اقيل الحكمدار ومات شيخنا في السجن.
هنا وقف براون روليت مغامر ورحال فرنسي وابحر ليجمع خيرات الجنوب ويستغفل اهل السودان لمشاهداته وبعده جون بثرك قنصل بريطانيا وتاجر الرقيق الاشهر ذين زلاوروبابيين كما كانت تكتب.
علي قهوة شهيرة جلس البحارة يحكون عن النيل ومتاعبه والسدود لرجال القوافل الذين تركوا ابلهم في بر ام درمان الغربي والجماله تسجل ذاكراتهم قصص البحاره ويسردون لهم طرق القوافل لمصر وسواكن وبربر والابيض. قربهم النهاضه وهم الذين يسافرون للجبال في غربي السودان وجبال النوبه لكل منهم قصصه وحكاويه.
كانت الخرطوم اعظم مكان شمال خط الاستواء ومكان اعاظم الرجال ومحط الرحاله ومكان شغل الحكومه في مجاهل وسط افريقيا. وهكذا شهدت الخرطوم في اسواقها كل بضائع الدنيا وقدر سكان الخرطوم بحوالي مائة الف نفس يجوب شوراعها رجال ونساء بمحتلف الازياء والالسن.
تلك الرقعه من شط النيل شهدت معارك لعبت في البواخر دورا مهما في معارك اخر الحكم الخديوي في السودان وايضا رست فيها بوراج كتشنر الحربيه في مطلع الاحتلال البريطاني للسودان.
فالخرطوم تاريخها تستقر وتزدهر ثم تعود لحالها وتشهد احداث جسام لكنها تخرج من رمادها زاهيه وتلك اقدار الله في الارض.

No comments:
Post a Comment