انهيار سد مأرب في اليمن
تُعد قصة سد مأرب ملحمة تاريخية وثقت الانتقال من عصر الحضارة والهندسة إلى عصر الشتات، وهي تجسد العلاقة الوثيقة بين الإنسان والبيئة في اليمن القديم.
بُني السد في وادي "أذنة" بمأرب، وتعود جذوره للقرن الثامن قبل الميلاد. لم يكن مجرد سد تخزيني، بل منظومة توزيع عبقرية استغلت صخور الجبال لبناء حواجز ضخمة وقنوات تحكم (مربعات ري) حولت الصحراء القاحلة إلى مساحات خضراء شاسعة عُرفت بـ "الجنتين"؛ جنة عن اليمين وجنة عن الشمال.
تعرض السد للانهيار عدة مرات وكان يتم إصلاحه لكن الانهيار النهائي كان مدمراً بسبب سيل العرم حيث بدلت هذه الكارثة طبيعة الأرض، كما وصفها القرآن: {وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ}. فبعد الكروم والفاكهة، لم يعد ينبت إلا الشجر الشوكي والمر، مما جعل الحياة مستحيلة.
خلّد القرآن الكريم هذا الحدث في سورة سبأ، واصفاً النعمة ثم الجحود الذي أدى للنقمة. قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ}. وعندما أعرضوا عن الشكر، أرسل الله عليهم "سيل العرم"، وهو السيل الجارف الذي لا يُطاق.
كان هذا الانهيار بمثابة رصاصة الرحمة لمركزية مملكة سبأ وحمير، وانطلق اليمنيون في أكبر موجة هجرة شهدتها الجزيرة العربية:
الغساسنة والأزد: توجهوا نحو بلاد الشام وعُمان والمدينة المنورة (الأوس والخزرج).
المناذرة ولخم: عززوا وجودهم في العراق وأطراف الشام، حيث وجدوا في الممالك القائمة هناك مستقراً جديداً.
خزاعة: استوطنت تهامة والحجاز.
هكذا تحول سد مأرب من رمز للرخاء والسيادة إلى ذكرى لأمة تفرقت أيدي سبأ، تاركة خلفها أطلالاً تشهد على عظمة هندسية لم يكررها الزمن إلا بعد قرون طويلة.
#أطلس_الجغرافيا_والتاريخ #جغرافيا #تاريخ #اليمن #مأرب
No comments:
Post a Comment