في القرن السادس الميلادي، ظهر على عرش بيزنطة رجل آمن أن العظمة يمكن أن تُصنع بالإرادة . الإمبراطور جستنيان الأول.
بدأ بإصلاح القوانين، فجمع شتات القوانين الرومانية القديمة في عمل ضخم يُعرف باسم "قانون جستنيان"، وهو الذي صار لاحقًا أساس التشريعات في أوروبا كلها.
ثم أطلق العنان لجيشه بقيادة قائده الشهير بيليساريوس، فاستعاد شمال أفريقيا من الوندال، وإيطاليا من القوط، وأعاد رايات بيزنطة ترفرف فوق أراضٍ كانت ضائعة منذ قرون.
عندما أراد أن يخلّد مجده ، نحته في الحجر، فبنَى كنيسة آيا صوفيا، التي بقيت لألف عام أعجوبة معمارية.
ومع ذلك، لم يكن حكمه خاليًا من المآسي. ثار الشعب ضده في ثورة نيكا، وكادت عاصمته تسقط لولا صلابته. كما اجتاحت الإمبراطورية أوبئة مدمّرة أنهكت الاقتصاد وأهلكت الملايين.
عام 532م، انفجرت القسطنطينية. العاصمة التي كانت فخر الإمبراطورية البيزنطية تحولت فجأة إلى ساحة حرب داخلية.
تحولت الهتافات إلى تمرد. اجتاحت الجماهير الشوارع، أُحرقت الأبنية، وامتدت النيران حتى أسوار القصر. خلال أيام، سيطر المتمردون على نصف المدينة، ونُصّب إمبراطور بديل. بدا أن حكم جستنيان انتهى.
عندما اهتزّ عرش الإمبراطور جستنيان الأول وكان على وشك الفرار، كانت زوجته الإمبراطورة ثيودورا هي التي وقفت بثبات وقالت كلمتها الشهيرة التي خلدها المؤرخ بروكوبيوس القيصري في روايته عن تلك الأحداث.
وفقًا لنص بروكوبيوس، خاطبت ثيودورا المجلس الإمبراطوري والجنود قائلة ما معناه:
"قد لا يكون من اللائق أن تقدم امرأة النصيحة لرجل في أوقات الخطر، لكنّ كل إنسان مصيره الموت ذات يوم. أما أنا فأقول: العباءة الملكية خير الأكفان. إن كنتَ يا سيدي الإمبراطور تريد النجاة، فالسفن في الميناء، لكني لن أفرّ، فالملك لا ينبغي له أن يهرب."
كانت تلك الجملة كافية لتغيّر كل شيء. استعاد جستنيان رباطة جأشه، وأمر قائده بيليساريوس بإغلاق أبواب مضمار السباق، حيث احتشد آلاف المتمردين، ثم اقتحمه الجنود وذبحوا الجميع تقريبًا. تشير الروايات إلى أن نحو ثلاثين ألف شخص قُتلوا في ساعات قليلة.
بعد أن خمدت النيران، أعاد جستنيان بناء المدينة.
ومع نهاية عهده، كان جستنيان قد أنجز أكثر مما حلم به أي حاكم بيزنطي: أعاد مجد روما القديمة، وخلّد اسمه في القانون والعمارة والسياسة. لكنه دفع ثمن ذلك من نفسه وشعبه. بين الدماء والضرائب والحروب التي لا تنتهي

No comments:
Post a Comment