كتاب الإسلام والحداثة والربيع العربي
تاليف :فرانسيس فوكوياما ؛ حاوره د. رضوان زيادة
الناشر المركز الثقافي العربي -الدار البيضاء
تاريخ النشر 2015
يقدّم فوكوياما في هذا الحوار الممتدّ تأمّلًا في علاقة الإسلام بالحداثة، وموقع المجتمعات الإسلامية في مسار التطور السياسي الحديث. وهو يرفض اختزال تخلف الديمقراطية في العالم الإسلامي إلى "جوهر ديني"، مبيّنًا أن العقبات الحقيقية تكمن في العوامل السياسية والاقتصادية مثل الدولة الريعية، وغياب التوازن بين مؤسسات الدولة والقانون والمجتمع، والإرث التاريخي للاستبداد. ويرى أن العالم الإسلامي ليس استثناءً ثقافيًا أو حضاريًا، بل يمرّ بمراحل تاريخية مشابهة لما مرت به أوروبا قبل تشكّل الدولة الحديثة.
العالم والدولة والقانون
ينطلق فوكوياما من أطروحته السابقة في أصول النظام السياسي، حيث يبحث نشأة الدولة منذ انتقال الإنسان من القبيلة إلى المجتمع المنظَّم، مبيّنًا أن الدولة الحديثة لا تقوم إلا بتكامل ثلاث ركائز: دولة قوية، وحكم قانون فعّال، ومجتمع قادر على المحاسبة.
يستعرض التجارب التاريخية من الصين إلى أوروبا، فيوضح أن الصين كانت أول من أسس دولة بيروقراطية حديثة بالمعنى الفيبري، لكنها افتقرت إلى "حكم القانون"، بينما تفوّقت أوروبا بفضل تقييد السلطة الدينية والمدنية عبر القانون والدساتير.
ويرى أن الديمقراطية لا تُبنى على صناديق الاقتراع وحدها، بل على مؤسسات متوازنة وقوانين تحكم الجميع بما فيهم النخبة الحاكمة.
المسألة الإسلامية والتنمية السياسية
يؤكد فوكوياما أن الإسلام كدين ليس عائقًا أمام الديمقراطية أو التحديث، وإنما العوامل الاقتصادية والسياسية هي السبب؛ إذ عطّل النفط نشوء دولة خاضعة للمساءلة (لأن الحكومات لم تكن مضطرة لفرض الضرائب وبالتالي لم تواجه مطالب شعبية)، كما ساعد الصراع العربي–الإسرائيلي الأنظمة على تبرير الاستبداد بحجة "التهديد الخارجي".
في المقابل، استطاعت دول شرق آسيا أن توظف مواردها في التعليم والتدريب والاستثمار، ما أتاح لها التحول إلى اقتصادات منتجة ومجتمعات منضبطة.
الدين، الثقافة، والحداثة
يرى فوكوياما أن التفسير الثقافي الجامد الذي يقدمه صمؤيل هنتنغتون وأتباعه خاطئ، لأن الثقافات ليست ثابتة بل قابلة للتطور. فكما تغيرت المسيحية في أوروبا، يمكن للإسلام أن يتطور سياسيًا دون أن يفقد هويته.
يشير أيضًا إلى أن الإسلام لم يكن يومًا نظامًا كهنوتيًا مغلقًا؛ ففي القرون الوسطى كان هناك فصل عملي بين الخليفة والسلطان، أي بين السلطة الدينية والسياسية. لذلك فالمشكلة ليست في الإسلام ذاته، بل في التسييس المفرط للدين منذ الثورة الإيرانية.
التطرف وفقدان الهوية
يفسر فوكوياما صعود العنف الإسلامي الحديث بكونه ردّ فعل على ضياع الهوية والشعور بالتهديد، لا باعتباره نابعًا من العقيدة نفسها. ويرى أن هذه المرحلة قد تخفّ تدريجيًا مع إعادة دمج المجتمعات الإسلامية في الحداثة عبر التنمية، التعليم، وبناء مؤسسات شرعية تمثيلية.
الرسالة الجوهرية أن الإسلام ليس مشكلة سياسية بل جزء من الحل إذا وُظّفت قيمه في بناء مؤسسات عادلة. كما أن الحداثة ليست بالضرورة غربية المنشأ؛ بل هي عملية تراكمية تقوم على توازن الدولة والقانون والمجتمع. ويؤكد فوكوياما أن مستقبل الديمقراطية في العالم الإسلامي مرتبط بإصلاح بنية الدولة لا بإصلاح الدين.
فرانسيس فوكوياما (مواليد 1952)، مفكر أميركي من أصول يابانية، عُرف بكتابه نهاية التاريخ والإنسان الأخير (1992) الذي أثار جدلًا واسعًا حول انتصار الليبرالية بعد الحرب الباردة. لاحقًا تراجع عن كثير من أفكار المحافظين الجدد، واهتمّ بدراسة تطور المؤسسات والديمقراطية والتنمية السياسية، كما في مؤلفاته أصول النظام السياسي والنظام السياسي والانحطاط السياسي.
يُظهر هذا الحوار الفكري مع فوكوياما تحوّلًا جوهريًا في رؤيته: من أطروحة "نهاية التاريخ" إلى فهم أكثر تواضعًا وتاريخية للديمقراطية. فالإسلام، في رأيه، ليس تحديًا للحداثة بل ساحة محتملة لتجديدها، شرط أن يتحقق التوازن بين الدولة القوية، وسيادة القانون، والمجتمع المدني. وبذلك يعيد فوكوياما تعريف العلاقة بين الهوية والديمقراطية، وبين الدين والسياسة، خارج ثنائية الصدام أو الاستثناء.

No comments:
Post a Comment