كتاب السودانيون المقاتلون
تاليف : الضابط البريطاني هنري سيسل جاكسون
الناشر : دار باركود للنشر والتوزيع والترجمة (السودان)
تاريخ النشر بالانجيزية 1954 -The Fighting Sudanes. by H. C. Jackson
السياق:
كُتب الكتاب قبل استقلال السودان بعامين، ويعكس الرواية والمنظور الاستعماري البريطاني لتلك الفترة. فهو وثيقة تاريخية تقدم رؤية المُستعمِر للشعب الذي يحكمه، وتركز على الصفات القتالية للسودانيين في خدمة الإمبراطورية.
الفكرة المركزية:
يرسم جاكسون صورة للسودانيين على أنهم "محاربون بالفطرة"، يتمتعون بشجاعة واستعداد فطري للقتال والولاء. لا يقدم الكتاب تاريخًا نقديًا أو تحليليًا، بل هو سردية تُمَجِّد الدور الذي لعبه السودانيون - تحت القيادة البريطانية - في قمع التمردات الداخلية وفي الحروب العالمية، مقدماً هذا كدليل على "الولاء" و"الشجاعة" المتأصلة فيهم والتي استغلها الاستعمار بشكل فعال.
المحاور الرئيسية:
الجزء الأول: الخلفية التاريخية وأوائل المقاومة
التركيز على الفترة المهدية: يصف المؤلف دولة المهدية بقيادة محمد أحمد المهدي وخليفته عبد الله التعايشي كتمرد همجي تم قمعه لاستعادة "النظام". يُبرز معركة توشكي (1889) وقائد المهدية عبد الرحمن النجومي كمثال على "شجاعة وتفاني" السودانيين حتى في صفوف الخصوم.
إعادة الاحتلال الإنجليزي-المصري: يُمَجِّد دور الكتائب السودانية (مثل الكتيبة الحادية عشرة) في جيش كتشنر الذي أعاد احتلال السودان في معركة أم درمان (1898). يذكر منحهم أوسمة وشعارات (مثل الريشة الحمراء) كمكافأة على ولائهم وشجاعتهم.
التحول من الخصومة إلى الولاء: يشير إلى مفارقة تحول من كانوا يقاتلون البريطانيين (مثل الأنصار وأبناء الخليفة عبد الله) إلى جنود مخلصين في صفوف "قوة دفاع السودان" والشرطة.
الجزء الثاني: قلاقل في دارفور (معركة نيالا 1921)
دراسة حالة للقمع الاستعماري: يسرد بتفصيل دقيق قصة تمرد الفكي عبد الله السحيني في نيالا بدارفور.
بطولة الإدارة الاستعمارية: يصور المعركة كملحمة بطولة لعدد قليل من الضباط البريطانيين (مثل ماكنيل وشون) والجنود والشرطة السودانيين الموالين، الذين صمدوا أمام هجوم آلاف المتمردين.
دور النساء: يسلط الضوء - بشكل نادر - على دور النساء السودانيات في المعركة، مثل حمدة زريقة ومريم أم ديرا، في إمداد الرجال بالذخيرة والمشاركة الفعلية في القتال، ويصفهن بـ"البطلات".
الرسالة الضمنية: يؤكد هذا الجزء على ضرورة الحكم الحديدي والاستعداد الدائم لقمع أي تمرد، مع الإشادة مرة أخرى بالولاء غير المحدود للسودانيين الذين قاتلوا تحت العلم البريطاني.
الجزء الثالث: الحربان العالميتان (الولاء الأقصى)
هذا هو الجزء الأكثر توسعاً في الكتاب، ويُعَدُّ الدليل الرئيسي للمؤلف على "وفاء" السودانيين.
الحرب العالمية الأولى (1914-1918):
سفر الولاء: يذكر كيف أن زعماء السودان الدينيين والقبليين (مثل السيد علي الميرغني) أعلنوا تأييدهم لبريطانيا ضد الدولة العثمانية (الخلافة الإسلامية) رغم دعوة الأخيرة للجهاد، ووقعوا على "سفر الولاء".
التبرعات والتطوع: يسرد تبرع السودانيين بالأموال والإبل وتطوعهم للقتال، معتبراً ذلك دليلاً على حكمتهم في تقدير "عدالة" البريطانيين.
الحرب العالمية الثانية (1939-1945):
التهديد الإيطالي: يصف التهديد الذي شكله الجيش الإيطالي في إثيوبيا وإريتريا للسودان، مع تفوق عددي وهائل.
بطولة "قوة دفاع السودان": يركز على البطولة الأسطورية لقوة دفاع السودان الصغيرة (4500 فرد) في الدفاع عن حدود شاسعة ضد الإيطاليين، خاصة في معارك كسلا والقلابات ومناطق النيل الأزرق.
حرب الخداع: يروي كيف استخدمت سرايا المدافع الرشاشة المتحركة (بضعة عشرات فقط) لخداع الإيطاليين وجعلهم يعتقدون بوجود قوات بريطانية ضخمة.
المتطوعون غير النظاميين: يذكر دور القبائل (مثل الهدندوة "الفزي وزى") كمتطوعين وكشافين وجواسيس، رغم "عدم انضباطهم" من وجهة نظر عسكرية تقليدية.
المجهود الحربي المدني: يسلط الضوء على كيفية تحول الاقتصاد السوداني لخدمة الحرب، من خلال مصلحة السكك الحديدية والأشغال العامة والمخازن، وإسهامات المدنيين العفوية.
الانتصار في شرق أفريقيا: يصف مشاركة القوات السودانية في الحملة التي طردت الإيطاليين من إريتريا وإثيوبيا وأعادت الإمبراطور هيلا سيلاسي، مع التركيز على معارك مثل كرن وغوندار.
التقييم النقدي والخلاصة النهائية:
الكتاب ليس كتابًا موضوعيًا عن التاريخ العسكري للسودان، بل هو وثيقة استعمارية بامتياز.
المنظور الاستعماري: الكتاب كُتب لتبرير وتجميل الحكم البريطاني، مقدماً صورة مثالية للعلاقة بين "الحاكم الحكيم" و"المحكوم المخلص والشجاع".
إغفال الرواية الوطنية: يتجاهل تمامًا المشاعر الوطنية السودانية الناشئة والمقاومة الحقيقية للاستعمار، ويقدم كل التمردات (مثل المهدية وتمرد نيالا) كحركات "تعصب" و"همجية" تم قمعها لصالح "الأمن والاستقرار".
التركيز الانتقائي: يركز على قبائل معينة (شمال ووسط السودان) كقوى قتالية، ويتجاهل أو يقلل من شأن دور آخرين.
قيمة وثائقية: رغم تحيزاته، يظل الكتاب مصدرًا قيمًا لفهم:
الذهنية الاستعمارية وآلية عمل الإدارة البريطانية.
كيفية بناء واستغلال القوى المحلية في حروب الإمبراطورية.
تقديم سرد مفصّل لبعض الأحداث العسكرية من وجهة نظر المعسكر البريطاني.
هربرت تشارلز جاكسون (H. C. Jackson) ضابط وإداري بريطاني خدم في السودان تحت الحكم الثنائي (الأنجلو-مصري) خلال النصف الأول من القرن العشرين. وُلد في بريطانيا في أواخر القرن التاسع عشر، وعمل في السلك الإداري والعسكري السوداني، قبل أن يتفرغ للكتابة بعد تقاعده.
من مؤلفاته الأخرى: Behind the Modern Sudan وFrom Nile to Cape Town. امتاز أسلوبه بوضوح اللغة العسكرية والروح التبشيرية الإمبراطورية.
الخلاصة النهائية:
يجب قراءة هذا الكتاب باعتباره رواية المُستعمِر. فهو يمثل محاولة لصياغة سردية تاريخية تبرر الوجود البريطاني وتظهره كمحضن للشجاعة والولاء المتأصلين في الشعب السوداني. لفهم التاريخ العسكري والسياسي للسودان بشكل متوازن، يجب قراءة هذا الكتاب جنبًا إلى جنب مع المصادر السودانية والأكاديمية التي تعطي صوتًا لأهل البلد وتقدم تحليلًا نقديًا لفترة الاستعمار ونضال السودانيين من أجل الاستقلال.

No comments:
Post a Comment