الراحل، الباحث الأنثروبولوجي جان ميترال،
أنه خلال زيارة إلى مدينة دير الزور في تسعينات القرن الماضي، صادف مشهداً ظل عالقاً في ذاكرته. فقد كان بعض الأهالي يضعون على ألواح خشبية بسيطة مواد غذائية — أكياس طحين، علب حليب، تمر، وربما بعض الأدوية — ثم يدفعونها برفق إلى مياه الفرات، لتسير مع التيار نحو الجنوب، إلى العراق الذي كان يرزح آنذاك تحت وطأة الحصار الدولي.
دهش ميترال لهذا الطقس الإنساني الصامت، وسألهم مازحاً إنهم بذلك قد يخالفون القرارات الدولية. لكنهم أجابوه، بابتسامة لا تخلو من الحكمة:
"لسنا نحن من نرسلها... هو الفرات."
ذلك الجواب، كما كان يعلّق ميترال، يلخص روح المنطقة أكثر من أي دراسة ميدانية أو تقرير رسمي: نهر واحد، شعب واحد، وجغرافيا تتحدّى السياسة. الفرات هنا لم يكن مجرد مجرى مائي، بل ذاكرة مشتركة ووسيلة تواطؤ نبيل بين ضفّتين قُطعتا بحدود مصطنعة.
في تلك اللحظة، كما قال لي، فهم أن التضامن لا يحتاج إلى مؤتمرات ولا بيانات — يكفي لوح خشب، ونهر، وشيء من الإيمان بأن الماء يعرف طريقه.

No comments:
Post a Comment