من أبرز أطروحات المسيري الفكرية ما طرحه حول "المجتمع التراحمي" و"المجتمع التعاقد" وإسقاطه لهذه الأطروحة على حياته ابتداءً من نشأته في مصر إلى انتقاله إلى أمريكا لإكمال الدراسة.
حيث يوضح أن المجتمع التراحمي باختصار هو المجتمع الذي تقوم علاقاته على التراحم والتعاطف بين أفراده، على النقيض من المجتمع التعاقدي الذي تقوم العلاقات فيه على أساس تعاقدي ومصلحي.
نستطيع أن نرى المجتمع التراحمي في المجتمعات التقليدية، حيث يذكر المسيري مثالاً على ذلك نظام مساعدة العريس "النقطة" في الأفراح المصرية، حيث يتم دس المال في يد العروس "للمساعدة" بحيث لا يراه أحد وفي إطار هذه العملية التبادلية يتم توزيع الثروة بين المجتمع فعطاء الأثرياء يكون عادة أكثر من عطاء الفقراء.
وحتى "فض غلاف الهدية" يمكن أن يوضح مفهوم"التراحم" و"التعاقد" ففي مصر كما يقول المسيري، حينما يحصل الإنسان على هدية، فإنه لا يفضّ غلافها، فهي قيمة إنسانية بذاتها ولا يهم محتواها، لكن في أمريكا أشاروا له بضرورة فض غلاف الهدية وإظهار الإعجاب بها مباشرة أمام المُهدي، وهذا في نظر المسيري يجعل الهدية تتحول من قيمة إنسانية بذاتها إلى ثمن محدد "كم" أي من إطار تراحمي إلى إطار تعاقدي، ففي المجتمع التعاقدي، ثمنها وكميتها وقدرها كلها عوامل مؤثرة في قيمة الهدية، عكس ما يحصل في المجتمع التراحمي حيث لا يوجد إلا القيمة الإنسانية للهدية كهدية. وليست كمحتوى وكمية وثمن.
ويذكر مثالاً آخر وهو علاقته مع عامله المصري حينما كان يدرس بالسعودية، فقد كان عامله الذي ينظف منزله كل أسبوع يصر على أن يقول عند لحظة تقاضي الأجر "بلاش يا بيه، خليها عليّ هذه المرة" وهو في واقع الأمر -برأي المسيري- يقول "برغم أنني أعمل خادماً عندك وأدخل معك في علاقة تعاقدية فإننا من الناحية الإنسانية متساويان ولابد أن ندخل في علاقة تراحمة تتجاوز عمليات التبادل الاقتصادية "خدمات مقابل نقود". ولهذا فلا داعي لأن تدفع لي هذه المرة. ولذا يقوم المسيري بإخباره -عمداً- عن عدم وجود نقود وتأجيل دفع الأجرة للأسبوع التالي، لإعطاء العامل فرصة أن يكون دائناً، لكي يتم تحقيق التساوي الإنساني التراحمي.

No comments:
Post a Comment