عندما يتحدث الناس عن مكتبة الإسكندرية، يخطر في بالهم فورًا المشهد القديم: جحافل، نيران، ورماد حضارة.
لكن ما لا يعرفه معظمهم أن الإسكندرية عاشت مأساة حديثة، أقل شهرة بكثير، وأكثر إيلامًا لأنها حدثت بعد أن بدأ المصريون أخيرًا بإعادة بناء ما فُقد.
في عهد محمد علي باشا، ومع ظهور حركة ترجمة واسعة ورغبة في تأسيس نظام معرفي جديد، أُنشئت مكتبة علمية حديثة داخل مبنى “دار الكتب الخديوية”. كانت نواة طموحة، تضم مخطوطات نادرة جُمعت من القاهرة والوجه البحري، إضافةً إلى وثائق عثمانية ودواوين عربية قديمة، بعضها لم يكن له نسخة ثانية.
وفي ليلة من عام 1858، اندلع حريق، مجرد شرارة في مبنى بلا تجهيزات. النيران التهمت المكان خلال ساعات. حاول الموظفون إنقاذ ما استطاعوا، وانتشلوا بعض الكتب من تحت الدخان، لكن أغلب المحتوى اختفى. مخطوطات في الفلك، الطب، السِيَر، وخرائط عثمانية لا توجد منها اليوم سوى إشارات في أرشيفات بعيدة.
لم يكن للحادث صدى عالمي. لم تكتب عنه الصحف إلا سطورًا. لم يُعامل كخسارة إنسانية. مصر نفسها كانت منشغلة بصراعات سياسية وإدارية لم تترك وقتًا للحداد على مكتبة ناشئة.
النتيجة؟ ضياع جيل كامل من الوثائق التي كانت ستعيد تشكيل فهمنا لتاريخ مصر في العصور الحديثة. الفراغ الذي تركه ذلك الحريق يظهر اليوم في سطور مفقودة، وفي حكايات نعرف أنها كانت موجودة… ولا نملك طريقًا لاستعادتها.

No comments:
Post a Comment