عام 1908م، داخل المدينة المحرمة في بكين، انتُزع طفل باكٍ لم يتجاوز عمره عامين من أحضان أمه، ليُساق إلى مصيرٍ لم يختره. كان هذا الطفل هو "آيسين جيورو بويي"، الذي وضعته الإمبراطورة العجوز المحتضرة "تسي شي" على "عرش التنين" كآخر رهان لإنقاذ سلالة "تشينغ" المتهاوية. جلس الطفل الصغير يرتعد فوق الكرسي الضخم، وحوله آلاف الموظفين والخصيان يسجدون ويلامسون بجباههم الأرض، بينما كان هو يبكي طالباً مربيته، غير مدرك أنه أصبح للتو "ابن السماء" وسيد الصين العظيم.
لم يدم حكمه الصوري طويلاً. ففي عام 1912، عصفت ثورة "شينهاي" بالبلاد، وأُجبرت السلالة على التنازل عن العرش، لتعلن قيام الجمهورية. وهنا، عاش بويي واحدة من أغرب المفارقات في التاريخ. سمحت له الحكومة الجمهورية الجديدة بالاحتفاظ بلقبه، والبقاء داخل المدينة المحرمة مع حاشيته، بشرط ألا يغادر أسوارها أبداً.
نشأ بويي في عزلة تامة. داخل الأسوار كان لا يزال إمبراطورا يعامله الخدم كإله، ويتمتع بوجبات إمبراطورية باذخة، بينما خارج الأسوار كان العالم يتغير بسرعة، والسيارات تجوب الشوارع، والحروب تشتعل. كان ملكاً على مملكة من الأوهام، يدرس الإنجليزية على يد معلمه الأسكتلندي "ريجينالد جونستون"، ويحلم بركوب الدراجة الهوائية، وقطع ضفيرته المانشوية التي ترمز للماضي.
في عام 1924، طرده أمير حرب صيني من قصره، فوجد بويي نفسه لاجئاً، طريداً، ومجرداً من كل شيء سوى طموحه لاستعادة عرش أجداده. التقطت الاستخبارات اليابانية هذه الرغبة بذكاء خبيث. عرضوا عليه صفقة مغرية: "نحن سنعيدك إمبراطوراً، لكن في منشوريا (موطن أجداده)، وليس في بكين".
قبل بويي العرض، وأصبح في عام 1932 إمبراطوراً لدولة "مانشوكو". لكنه اكتشف متأخراً أنه استبدل سجناً بآخر أشد قسوة. لم يكن سوى دمية تحركها أصابع الجيش الإمبراطوري الياباني. يوقع المراسيم التي يكتبونها، ويغض الطرف عن الفظائع التي يرتكبونها بحق شعبه، ويعيش تحت رقابة صارمة جعلته يخشى حتى من خدمه ومقربيه، فاقداً السيطرة حتى على شؤون بيته وزوجته التي أدمنت الأفيون هرباً من بؤس القصر البارد.
مع استسلام اليابان عام 1945، حاول بويي الفرار إلى اليابان، لكن الجيش السوفيتي ألقى القبض عليه في المطار. قضى خمس سنوات في سجون سيبيريا، نجا خلالها من الإعدام بفضل شهادته ضد اليابانيين في محاكم طوكيو.
في عام 1950، سلمه السوفييت إلى الصين الشيوعية بقيادة "ماو تسي تونغ". توقع بويي الإعدام الفوري باعتباره "خائناً ومجرم حرب"، لكن ماو كان له رأي آخر. أراد تحويل الإمبراطور إلى "نموذج" لقدرة الشيوعية على تغيير البشر.
أُرسل بويي إلى "مركز إدارة مجرمي الحرب في فوشون". هناك، ولأول مرة في حياته، تعلم الرجل الذي كان يخدمه المئات كيف يربط حذاءه، وكيف يغسل ملابسه، وكيف ينظف زنزانته. خضع لعملية "غسيل دماغ" وإعادة تأهيل نفسي مكثفة، أجبرته على كتابة اعترافاته وانتقاد ماضيه الإقطاعي، ليتحول ببطء من "ابن للسماء" إلى "المواطن رقم 981".
بعد عشر سنوات من السجن، صدر عفو خاص عنه عام 1959. عاد بويي إلى بكين، لكن ليس إلى القصر هذه المرة، وإنما إلى شقة صغيرة. عمل بستانياً في الحدائق النباتية، ثم محرراً أدبياً. عاش سنواته الأخيرة كمواطن عادي، يركب الحافلة، ويختلط بالناس الذين كانوا يسجدون له سابقاً، وتزوج من ممرضة بسيطة.
وفي عام 1967، توفي بويي بمرض السرطان، منهياً رحلة إنسانية مذهلة لرجل بدأت حياته كإله يملك كل شيء، وانتهت كمواطن لا يملك شيئاً سوى بطاقة هوية، وذاكرة مثقلة بعبء تاريخ أمة كاملة.
من أكثر المواقف التي تلخص تراجيديا وسخرية حياة بويي، تلك الزيارة التي قام بها في سنواته الأخيرة إلى "المدينة المحرمة" (بيته القديم) ولكن هذه المرة بصفته سائحاً. حين وصل إلى البوابة، استوقفه الحراس وطلبوا منه شراء تذكرة دخول. وقف الإمبراطور السابق في الطابور، ودفع بضع عملات معدنية ليدخل القصر الذي كان يملكه بالكامل، وتجول في أروقته مشيراً لرفاقه إلى العرش الذهبي قائلاً بابتسامة حزينة: "كنت أجلس هناك ذات يوم، وكنت أظن أن العالم ينتهي عند تلك الأسوار". تلك التذكرة الصغيرة كانت الدليل القاطع على أن عجلة التاريخ قد دارت دورة كاملة.
No comments:
Post a Comment