في أعقاب الحرب العالمية الثانية، تحولت الأراضي الصينية الشاسعة إلى مسرح لصراع وجودي شرس بين عقيدتين متنافرتين. الحزب الشيوعي بقيادة "ماو تسي تونغ" الذي اعتمد على بحر من الفلاحين الثائرين، وحزب الكومينتانغ القومي بقيادة "شيانغ كاي شيك" المدعوم من النخبة والمدن. استمرت المعارك الدامية لسنوات، مالت بعدها الكفة تدريجياً لصالح الرايات الحمراء، ليجد القوميون أنفسهم محاصرين ويتراجعون أمام طوفان بشري لا يمكن إيقافه، فارضاً عليهم البحث عن ملاذ أخير يحميهم من الفناء التام.
مع سقوط المدن الكبرى تباعاً في يد ماو، اتخذ الجنرال "شيانغ" قراره التاريخي والمصيري. أمر بتنفيذ أضخم عملية انسحاب استراتيجي في التاريخ الصيني الحديث. عبر مئات الآلاف من الجنود، والمسؤولين، والمثقفين، ورجال الأعمال مضيق تايوان الهائج نحو جزيرة "تايوان" (فورموزا)، حاملين معهم احتياطي الصين من الذهب، وأرشيف القصر الإمبراطوري، وكنوز المدينة المحرمة الفنية. تحولت الجزيرة من مقاطعة زراعية نائية استعادتها الصين حديثاً من اليابان، إلى "حصن منيع" وعاصمة مؤقتة لما أصروا على تسميته "جمهورية الصين"، واضعين البحر كخندق طبيعي بينهم وبين "جمهورية الصين الشعبية" التي أعلنها ماو في بكين.
كان "ماو" يمني النفس بعبور المضيق وسحق الفلول الأخيرة لتوحيد البلاد، غير أن اندلاع الحرب الكورية عام 1950 قلب الموازين الجيوسياسية. إذ حركت الولايات المتحدة أسطولها السابع ليرابط في المضيق، فارضةً درعاً حامياً حول تايوان لمنع تمدد الشيوعية في آسيا. جمد هذا التدخل الوضع العسكري، وخلق واقعاً سياسياً مريرا عاشته المنطقة لعقود. حكومتان، واحدة في بكين وأخرى في تايبيه، تدعي كل منهما أنها الممثل الشرعي والوحيد لكل الصين، وتنظر كل منهما للأخرى كعصابة متمردة احتلت جزءاً من التراب الوطني، في انتظار يوم التحرير أو الاستعادة.
مع مرور العقود، وموت المؤسسين، تغيرت المعادلة الداخلية في تايوان جذرياً. تحولت الجزيرة من حكم الحزب الواحد والقانون العرفي إلى ديمقراطية ليبرالية مزدهرة اقتصادياً وتكنولوجياً. ونشأ جيل جديد لا يحمل ذكريات الحرب الأهلية، وتلاشت لديه رغبة "استعادة البر الرئيسي"، مستبدلاً إياها بشعور متنامٍ بهوية "تايوانية" مستقلة ومنفصلة عن الهوية الصينية الجامعة. قابلت بكين هذا التحول بقلق متصاعد، متمسكةً بعقيدة "الصين الواحدة" كحقيقة مقدسة، ومعتبرةً أي محاولة رسمية لاستقلال الجزيرة خطاً أحمر يستوجب التدخل العسكري، ليبقى المضيق اليوم بؤرة توتر عالمية، وعالقاً بين تاريخ يرفض النسيان وواقع يرفض الاندماج.
من المفارقات التاريخية في هذه القضية، أن "تايوان" (جمهورية الصين) ظلت تشغل مقعد الصين الدائم في مجلس الأمن وتتحدث باسم مئات الملايين من الصينيين في الأمم المتحدة لأكثر من عشرين عاماً بعد هروبها، بينما كانت بكين معزولة دولياً. استمر هذا الوضع الشاذ بدعم غربي حتى عام 1971، حين انقلب العالم واعترف بواقعية الأمور، فُطرد ممثلو تايوان ومُنح المقعد لبكين بموجب القرار 2758، لتجد الجزيرة نفسها فجأة في عزلة دبلوماسية، وتتحول من "الصين الشرعية" في نظر العالم إلى كيان غامض يتمتع بكل مقومات الدولة دون أن يحمل اسمها الرسمي.
No comments:
Post a Comment