Thursday, January 22, 2026

اليعاقبة

 


بدأت الحكاية في عام 1688، حين أُجبر الملك "جيمس الثاني" (السابع لاسكتلندا)، آخر ملوك بريطانيا الكاثوليك، على الفرار من لندن تحت جنح الظلام، تاركاً العرش لابنته البروتستانتية وزوجها الهولندي ويليام. أطلق المنتصرون على هذا الانقلاب اسم "الثورة المجيدة"، لكن في المرتفعات الأسكتلندية الوعرة، وفي أيرلندا، وبين الإنجليز الكاثوليك، سُمي ذلك "غدراً". رفض هؤلاء الاعتراف بالوضع الجديد، وتمسكوا بالولاء للملك المنفي (الذي يُلفظ اسمه باللاتينية "جاكوبوس")، فعُرفوا منذ تلك اللحظة باسم "اليعاقبة"، واتخذوا من "الوردة البيضاء" شعاراً سرياً يزين صدورهم وأقداحهم، حالمين بيوم العودة.
ظلت الجمرات تتقد تحت الرماد لعقود، تخللتها محاولات فاشلة (خاصة ثورة 1715)، حتى صيف عام 1745، حين رست سفينة فرنسية صغيرة على شاطئ أسكتلندا الغربي. نزل منها شاب وسيم، ذو كاريزما طاغية، هو الأمير "تشارلز إدوارد ستيوارت"، حفيد الملك المخلوع، والملقب بـ "بوني برنس تشارلي". كانت مغامرته ضرباً من الجنون. فقد وصل ومعه سبعة رجال فقط، بلا جيش ولا مال، معتمداً كلياً على سحر شخصيته وولاء العشائر القديم.
في وادي "غلينفينان"، رُفعت الراية الملكية الحمراء والبيضاء، ودوت القرب (المزامير الأسكتلندية) لتجمع حوله رجال المرتفعات الأشداء، الذين رأوا فيه الأمل لاستعادة استقلالهم وكرامتهم المهدورة من قبل حكومة لندن.
تحولت المغامرة الصغيرة إلى إعصار. اجتاح جيش المرتفعات، بملابسهم التقليدية وسيوفهم العريضة (Broadswords)، مدينة إدنبرة، وسحقوا الجيش الحكومي في معركة "بريستونبانز" في دقائق معدودة. وبدلاً من الاكتفاء بأسكتلندا، اتخذ تشارلز قراراً مصيرياً بالزحف جنوباً نحو لندن.
وصل الجيش اليعقوبي إلى مدينة "ديربي"، على بعد أيام قليلة من العاصمة الإنجليزية. ساد الذعر في لندن، وبدأ الملك جورج الثاني يوضب حقائبه للهرب. لكن، وفي لحظة تردد قاتلة، فقد القادة الأسكتلنديون أعصابهم. خافوا من عدم وصول الدعم الفرنسي الموعود، وقرروا الانسحاب والعودة للشمال، في قرار حول النصر الوشيك إلى بداية النهاية.
تراجع اليعاقبة وخلفهم جيش حكومي ضخم وحديث يلاحقهم بقيادة "دوق كمبرلاند" (ابن الملك جورج)، الذي كان مصمماً على الإبادة لا الانتصار. وفي السادس عشر من أبريل 1746، التقى الجيشان على سهول "كولودين" الموحلة.
كان المشهد غير متكافئ بالمرة. خمسة آلاف من رجال المرتفعات المنهكين والجوعى، يواجهون تسعة آلاف جندي نظامي مدعومين بمدفعية فتاكة. ارتكب تشارلز خطأً تكتيكياً باختيار أرض منبسطة لا تناسب أسلوب "الهجمة الشرسة" (Highland Charge) الذي يتقنه رجاله.
حين بدأت المعركة، مزقت مدافغ "العنب" (Grape shot) الإنجليزية صفوف اليعاقبة. ورغم شجاعتهم الانتحارية ومهاجمتهم للبنادق بالسيوف، إلا أن المعركة انتهت في أقل من ساعة. تحول المرج الأخضر إلى مسلخ بشري، وأمر دوق كمبرلاند جنوده بالإجهاز على الجرحى والأسرى، ليكتسب لقبه الأبدي: "الجزار".
هرب الأمير "تشارلي" وظل طريداً في الجبال والجزر لشهور (بمساعدة الأسطورة فلورا ماكدونالد) قبل أن يفر إلى فرنسا، تاركاً شعبه يدفع الثمن. لقد كانت كولودين حكماً بالإعدام على "ثقافة المرتفعات" بأسرها.
أصدرت لندن قوانين انتقامية صارمة. حُظر ارتداء الزي الأسكتلندي (التارتان)، ومُنع حمل السلاح، وحُرم العزف على القرب، وجُرد زعماء العشائر من سلطاتهم. تلا ذلك ما عُرف بـ "تطهير المرتفعات" (Highland Clearances)، حيث طُرد السكان من أراضيهم لاستبدالهم بالأغنام، ليتشتت أحفاد المحاربين في أصقاع الأرض، وتتحول الوردة البيضاء إلى مجرد ذكرى رومانسية حزينة في الأغاني الشعبية.


No comments:

Post a Comment