لسنوات طوال، عاشت بريطانيا على وقع طبول حرب أهلية طاحنة، انقسمت فيها الولاءات وسالت فيها الدماء غزيرة بين معسكرين متناحرين. جيش "اليعاقبة" الذي جمع عشائر المرتفعات الأسكتلندية الحالمة باستعادة عرش آل ستيوارت، والقوات الحكومية البريطانية المسلحة بحديد السلطة المركزية في لندن. بلغت هذه المواجهة الشرسة ذروتها الدرامية وفصلها الختامي في معركة "كولودين" عام 1746، حيث تكسرت سيوف العشائر أمام مدافع الجيش النظامي، لتنطوي صفحة القتال العسكري المباشر، وتُفتح أبواب جحيم آخر تمثل في سياسات انتقامية ممنهجة وتغيرات اقتصادية قاسية غيرت وجه أسكتلندا إلى الأبد.
عقب انقشاع غبار معركة "كولودين" عام 1746، خيم صمت ثقيل وموحش على وديان المرتفعات الأسكتلندية. شرعت الحكومة البريطانية في لندن بتنفيذ خطة ممنهجة لتفكيك البنية الاجتماعية للعشائر، فأصدرت قوانين صارمة حظرت ارتداء الترتان (الزي التقليدي الاسكتلندي)، وحمل السلاح، وعزف القرب، هادفةً إلى صهر الهوية الأسكتلندية المتمردة في القالب البريطاني الجامد. وجد سكان المرتفعات أنفسهم محاصرين بين مطرقة جيش "دوق كمبرلاند" الذي طارد الفلول بلا هوادة، وبين سندان الفقر المدقع الذي ضرب قراهم بعد تجريد زعمائهم من سلطاتهم التقليدية.
تفاقمت المأساة بحدوث تحول اجتماعي قاسٍ ومفاجئ داخل العشائر نفسها. فقد تخلى رؤساء العشائر عن دورهم الأبوي القديم كحماة لأفراد قبيلتهم، وتقمصوا دور "اللوردات" وملاك الأراضي الرأسماليين. ونظراً لارتفاع أسعار الصوف مع الثورة الصناعية، رأى هؤلاء الزعماء أن تربية الأغنام تدر ربحاً وفيراً يفوق ما يدفعه المستأجرون البشر من إيجارات زهيدة. وهكذا، بدأت مرحلة "تطهير المرتفعات"، حيث أُجبرت عائلات عاشت في تلك الوديان لآلاف السنين على إخلاء منازلها، وأُحرقت الأكواخ الطينية أمام أعين ساكنيها لضمان عدم عودتهم، لتتحول الأراضي التي كانت تضج بصيحات المحاربين إلى مراعٍ صامتة لا يُسمع فيها سوى ثغاء الأغنام.
أمام هذا الواقع المسدود، يمم الآلاف وجوههم شطر المحيط الأطلسي، حيث تحولت السفن المتجهة نحو العالم الجديد إلى طوق النجاة الوحيد. تدفق المهاجرون الأسكتلنديون في موجات متلاحقة نحو "نوفا سكوشا" (أسكتلندا الجديدة) في كندا، وإلى ولايات كارولينا الشمالية وفرجينيا في أمريكا. كانت الرحلة محفوفة بالمخاطر والأمراض، لكن الأمل في امتلاك أرض خاصة والعيش بحرية دفعهم لتحمل مشاق البحر، حاملين معهم لغتهم الغيلية، ومزاميرهم المخبأة، وذكريات وطن لفظهم قسراً.
في العالم الجديد، وجد الأسكتلنديون بيئة قاسية تليق بصلابتهم. توغلوا في التخوم البرية، حيث ساعدتهم طبيعتهم العسكرية وقدرتهم على التحمل في ترويض الغابات وبناء المستوطنات. شكلوا مجتمعات متماسكة حافظت على تقاليدها، وسرعان ما انخرطوا في نسيج الأمة الأمريكية الصاعدة. وبرزت المفارقة التاريخية في تحول هؤلاء "المتمردين المنفيين" إلى عماد الجيش والتجارة والسياسة في موطنهم الجديد، مساهمين بفعالية في توسيع حدود أمريكا غرباً، وصياغة هويتها المستقلة.
ومن المفارقات العجيبة أيضا في التاريخ الأمريكي أن العديد من هؤلاء المهاجرين الأسكتلنديين، الذين طردتهم بريطانيا ونكلت بهم، اختاروا الوقوف في صف "التاج البريطاني" (الموالون) عندما اندلعت الثورة الأمريكية عام 1776، وفاءً لقسم الولاء الذي أجبروا على أدائه قبل الهجرة، بينما انحاز آخرون للثوار بقيادة واشنطن. أدى هذا الانقسام إلى وقوع معارك دموية في كارولينا الشمالية (مثل معركة جسر مور) تقاتل فيها أسكتلنديون ضد أسكتلنديين، مكررين مأساة الحروب الأهلية التي هربوا منها في بلادهم الأصلية، ليثبتوا أن لعنة الانقسام طاردتهم حتى الضفة الأخرى من العالم.
No comments:
Post a Comment