كانت أجراس الكنائس تقرع في صباح الأول من نوفمبر عام 1755 بصوت واحد مهيب، احتفالاً بـ "عيد جميع القديسين". اكتظت الكاتدرائيات بآلاف المؤمنين الذين أشعلوا الشموع ورفعوا الصلوات، بينما كانت المدينة، التي تعد جوهرة تاج الإمبراطورية البرتغالية ومخزن ذهب البرازيل وتوابل الهند، ترفل في ثراء فاحش واطمئنان أبدي. لكن تلك السكينة انكسرت فجأة على الساعة التاسعة وأربعين دقيقة، حين أطلق باطن الأرض زئيراً مرعباً، تبعه اهتزاز عنيف حول المباني الحجرية الشاهقة إلى ألعاب ورقية تتهاوى فوق رؤوس المصلين، دافنةً آلاف الأرواح تحت ركام الأسقف المزخرفة في لحظة واحدة.
هرع الناجون المذعورون من الأزقة الضيقة والمباني المنهارة نحو الفضاءات المفتوحة، قاصدين منطقة الميناء عند مصب نهر "تاغوس"، ظناً منهم أن البحر سيكون الملاذ الآمن من غدر اليابسة. وهناك، تسمروا أمام مشهد خارق للطبيعة. فقد انحسرت مياه النهر والمحيط فجأة لمسافات بعيدة، كاشفة عن قاع البحر المليء بحطام السفن القديمة والصخور. دفع الفضول البعض للنزول، لكن البحر عاد منتقماً، مشكلاً جداراً مائياً هائلاً (تسونامي) بارتفاع شاهق، ابتلع الميناء ومن احتمى به، وجرف القصور والسفن إلى قلب المدينة.
ولم تكتفِ الطبيعة بضربتي الزلزال والطوفان، بل أطلقت العنصر الثالث لإكمال مشهد الفناء. تسببت آلاف الشموع المضاءة في الكنائس والمنازل، والتي سقطت مع الهزة الأولى، في إشعال حرائق هائلة غذتها الرياح القوية. تحولت لشبونة إلى فرن مفتوح التهمت نيرانه ما تبقى من أحياء وأخشاب ومخطوطات تاريخية لمدة خمسة أيام، ماحياً من الوجود 85% من مباني المدينة، وتاركا عشرات الآلاف من الجثث متفحمة أو غارقة.
تجاوز صدى الدمار حدود الجغرافيا ليضرب عمق الفلسفة واللاهوت في أوروبا. وقف مفكرو عصر التنوير مذهولين أمام توقيت الكارثة. فكيف يصب الرب غضبه في يوم عيد مقدس، ويدمر الكنائس المكتظة بالمصلين، بينما يترك "حي ألفاما" (حي البغاء والبحارة) سليماً؟ كانت هذه المعضلة التي دفعت "فولتير" لكتابة روايته الشهيرة "كانديد"، ساخراً بمرارة من فلسفة "التفاؤل" التي تقول إننا نعيش في "أفضل العوالم الممكنة"، ومعلناً أن الشر موجود وعشوائي ولا يمكن تبريره دائماً بالحكمة الإلهية، ليكون زلزال لشبونة هو الحدث الذي فصل بين إيمان العصور الوسطى وشكوك العصر الحديث.
وسط هذا الشلل التام، برز رجل واحد حافظ على رباطة جأشه، هو "سيباستياو دي ميلو" (الماركيز دي بومبال)، رئيس الوزراء القوي. حين سأله الملك المصدوم: "ما العمل؟"، أجاب بعبارته الخالدة والعملية: "ندفن الموتى، ونطعم الأحياء". فرض بومبال حكماً عرفياً صارماً. نصب المشانق للصوص لمنع النهب، وأجبر الجيش على إلقاء الجثث في البحر (في كسر للمحرمات الدينية) لتجنب الطاعون، ثم أطلق أضخم ورشة إعادة إعمار في التاريخ. أمر ببناء لشبونة جديدة بشوارع عريضة ومبانٍ مصممة لتقاوم الزلازل (بتقنية القفص المرن)، مؤكداً أن المدينة يجب أن تُبنى بالعلم والهندسة هذه المرة.
No comments:
Post a Comment