Friday, January 30, 2026

أصل العرب


أصل العرب: الانتقال من السردية الكلاسيكية إلى السردية 
العلمية التحليلية للوحدة المشرقية والهوية الرسالية

ملخص البحث:

يهدف هذا البحث إلى إعادة قراءة الأصول التاريخية للعرب عبر الانتقال من السردية الإخبارية الكلاسيكية التي تبنتها كتب الأنساب، إلى سردية علمية تحليلية تقارب الموضوع كظاهرة حضارية متصلة. يستبدل البحث التقسيم الثلاثي التقليدي (بائدة، عاربة، مستعربة) بمفهوم "الوحدة المشرقية"، مستأنساً بالقرائن التاريخية واللغوية والسياقات الأركيولوجية، ليخلص إلى أن العروبة تمثل "هوية رسالية" متجذرة في عمق المشرق، وليست مجرد تفرعات عرقية معزولة.

مقدمة: في المنهج والإشكالية

ظلت المسألة العربية رهينة تصنيفات النسابين التي عكست مراحل اندماج القبائل أكثر مما عكست حقائق الأنثروبولوجيا. وتكمن إشكالية البحث في ضرورة تجاوز النظرة الساكنة للأنساب نحو فهم ديناميكي للمجال الحيوي المشرقي. يعتمد البحث منهجية المقاربة المتعددة المناهج، التي تزاوج بين النص الديني كوثيقة مركزية، وبين القرائن الأثرية واللغوية، بعيداً عن القطعية الجينية أو التأويلات الأركيولوجية الأحادية، تأسيساً على مبدأ وحدة الذرية والغاية.

المبحث الأول: نقد الأنطولوجيا التقليدية للتصنيف

1.1. التحول من الإخبار إلى التحليل:

إن التقسيم الكلاسيكي (بائدة، عاربة، مستعربة) يمثل اصطلاحاً زمنياً لوصف طبقات الذاكرة العربية. ومن منظور تحليل النظم، فإن هذا التقسيم لا يعبر عن انقطاع بيولوجي، بل عن مراحل تشكل الهوية العربية في فضاء المشرق.

1.2. وحدة الأصل في النص القرآني:

يؤسس البحث رؤيته على القاعدة القرآنية: {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ} [آل عمران: 34]. هذه الرؤية تلغي الفجوة المصطنعة بين "العرب العاربة" و"المستعربة"؛ فإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ليسا "طارئين" على العروبة، بل هما في صلب التكوين السامي المشرقي الذي تحرك تاريخياً بين الرافدين والحجاز والشام كمجال جغرافي واحد.

المبحث الثاني: المركزية المشرقية والاستمرارية الحضارية

2.1. الاستئناس بالقرائن الأركيولوجية واللغوية:

بعيداً عن اعتبار الأركيولوجيا علماً قطعياً، إلا أن القرائن المادية المستكشفة في الجزيرة العربية (مثل اكتشافات "أم جرسان" والوسطى 2024-2025) تشير إلى استمرارية الاستيطان البشري وتطور النظم الاجتماعية [Griffith University, 2024]. 
هذه المعطيات، جنباً إلى جنب مع وحدة الجذور اللغوية للأبجديات المشرقية، تؤكد أن المنطقة كانت "صدراً" للحضارات وليست مجرد أطراف لها.

2.2. العقل المشرقي والإرث العالمي:

ساهمت المركزية المشرقية في صياغة العقل المادي للبشرية عبر الأبجدية والعلوم الفلكية والرياضية البابلية واليمنية القديمة، وهو ما يجعل من "الهوية العربية" حاملة لإرث معرفي كوني سبقت به العصور الكلاسيكية الغربية [Saliba, 1999].

المبحث الثالث: الهوية الرسالية كجامع تاريخي

3.1. من القبيلة إلى الأمة الرسالية:

يرى البحث أن العروبة انتقلت من "النسب الضيق" إلى "الهوية الرسالية الجامعة" مع تبلور الرسالات السماوية. فإسماعيل عليه السلام لم "يستعرب" بالمعنى العرقي، بل انصهر في رسالة التوحيد التي هي جوهر العروبة.

3.2. دور المشرق في الوحدة الروحية:

لقد شرع الله للعرب وللبشرية ديناً واحداً يمتد من نوح إلى محمد ﷺ {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا...} [الشورى: 13]. هذا الامتداد الروحي هو الذي أعطى للعروبة طابعها العالمي، وجعل من الجزيرة العربية مركز إشعاع لم ينقطع أثره.

المبحث الرابع: مراجعة نقدية للمصادر الحديثة (2025-2026)

تؤكد الدراسات الصادرة عن جامعة الملك سعود ومركز دراسات الوحدة العربية (2025) أن إعادة قراءة "تاريخ الجنس العربي" تتطلب فك الارتباط بين "العرق" و"اللسان". فالعربية ليست مجرد لغة، بل هي وعاء حضاري استوعب كافة الهجرات المشرقية وصهرها في هوية واحدة، وهو ما يدعم فرضية البحث في تجاوز "السردية الكلاسيكية" نحو "سردية تحليلية" تجمع الشتات التاريخي في وحدة موضوعية [العفالق، 2025].

الخاتمة:

يخلص البحث إلى أن أصل العرب هو وحدة متصلة (سلالياً وحضارياً ورسالياً). إن تجاوز المصطلحات التقليدية لصالح مفهوم "الوحدة المشرقية" يتيح فهم العروبة كقوة حضارية عالمية بدأت منذ آدم ووصلت ذروتها بالرسالة المحمدية. المشرق لم يكن يوماً هامشاً، بل كان "المركز" الذي قدم للعالم أبجديته العلمية وروحه التوحيدية.

قائمة المراجع المعتمدة (مرتبة أكاديمياً)

أولاً: المصادر التراثية والنقدية العربية:

1- ابن عبد البر، الإنباه على قبائل الرواة، تحقيق إبراهيم الأبياري.

2- جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جامعة بغداد.

3- أحمد داوود، تاريخ سوريا الحضاري القديم، دار الفكر.

4- عبد الكريم العقيلي، عروبة إبراهيم عليه السلام، دار الحكمة، 2008.

5- عبد اللطيف العفالق، جذور: دراسة في الأصول المشرقية، جامعة الملك سعود، 2025.

6- محمد عزة دروزة، تاريخ الجنس العربي، دار القلم.

ثانياً: المراجع الغربية والدوريات العلمية:

Bernal, M. (1987). Black Athena: The Afroasiatic Roots of Classical Civilization. Routledge.

Saliba, G. (1999). Islamic Science and the Making of the European Renaissance. MIT Press.

Griffith University. (2024). "Archaeological Evidence from Umm Jirsan Cave, Saudi Arabia".

Petraglia, M. D. et al. (2021). "Hominin Dispersals and the Arabian Peninsula", Nature Ecology & Evolution.

Science Advances. (2020). "Hominin Footprints from Al Wusta, Saudi Arabia".

Rossi, P. (1972). La Cité d’Isis: Histoire vraie des Arabes. Albin Michel

إدريس الجراري
12 01 2026

No comments:

Post a Comment