صرّح الرئيس عبد الفتاح السيسي بأن مصر تمر بفترة "تشبه حالة الطوارئ الاقتصادية" في ظل التصعيد الإقليمي الراهن. فقد أدت الحرب المستمرة على إيران إلى تراجع حاد في قيمة الجنيه المصري وارتفاع في أسعار الوقود، وهي صدمة تفاقمت آثارها بفعل تراجع إيرادات قناة السويس والانخفاض المتوقع في عائدات قطاع السياحة. وعلى الرغم من الخسائر المؤكدة، قد تتمكن مصر من تجاوز هذه الأزمة.
* الجنيه المصري في مواجهة الأزمة
انخفضت قيمة الجنيه المصري بنسبة 8.2% مقابل الدولار الأمريكي بعد عشرة أيام من اندلاع الحرب، ليهبط إلى مستوى قياسي بلغ 52.8 جنيهًا أمام الدولار الأمريكي، وهو أدنى مستوى له على الإطلاق. جاء هذا الانخفاض نتيجة خروج جماعي لما يُعرف بالأموال الساخنة، وهي استثمارات أجنبية قصيرة الأجل في أدوات الدين الحكومية (أذون وسندات الخزانة)؛ حيث يؤدي خروج هذه الأموال من السوق دون ضوابط إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية، مما يضغط على قيمة العملة المحلية ويضعف من قدرتها الشرائية.
وقد ساهم صافي تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى مصر، البالغ 1.6 مليار دولار في السنة المالية 2025/2024 في تغطية الاحتياجات الفورية من النقد الأجنبي وتمويل الديون، إلا أن هذا الاعتماد على الاستثمارات الأجنبية المتقلبة أدى إلى موجات من عدم الاستقرار. فقد شهد عام 2018 خروج 15 مليار دولار خلال أزمة الأسواق الناشئة، وتبعه خروج 20 مليار دولار أثناء جائحة كوفيد-19 في عام 2020، قبل أن يُسجّل رقم قياسي بلغ 22 مليار دولار في عام 2022 عقب الحرب على أوكرانيا. وقد أجبرت حالات التخارج المتتالية الحكومة المصرية على اللجوء إلى مزيد من الاقتراض مرتفع الفائدة لسد الفجوة، مما أدى إلى تراكم الدين الخارجي وخفض قيمة الجنيه بشكل متكرر. يُمثل ضغط التضخم الناتج عن تراجع الجنيه المصري جزءًا من المشكلة؛ إذ أدت مخاطر الملاحة البحرية المتزايدة إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، مما أدى بدوره إلى زيادة تكلفة الاستيراد المحددة بالدولار وأسعار السلع الأساسية.
* تزايد الضغوط على منظومة الطاقة في مصر
واجه قطاع الطاقة في مصر ضغوطًا متزايدة نتيجة إغلاق مضيق هرمز، مما دفع الحكومة إلى رفع أسعار البنزين والسولار بنسب تتراوح بين 14-30%.
كما أوقفت إسرائيل إمدادات الغاز إلى مصر خلال 24 ساعة من اندلاع الصراع عقب إغلاق حقلي "تمار وليفياثان". وتمثل إمدادات الغاز الإسرائيلية 10-12% من مصادر الغاز الخارجية لمصر. واستجابةً لذلك، توسعت الحكومة بشكل ملحوظ في استخدام المازوت لتوليد الكهرباء، حيث رفعت الإمدادات إلى محطات الطاقة بنسبة 333% لتصل إلى 26 ألف طن تقريبًا يوميًا. ويهدف هذا الإجراء، على الرغم من التكلفة الباهظة، إلى الحفاظ على قدرات توليد الطاقة الكهربائية وتجنب العودة إلى سياسات تخفيف أحمال الكهرباء.
* تهديد جديد لقناة السويس
يُمثل إغلاق مضيق هرمز تحديًا إضافيًا للدولة المصرية؛ فمن المتوقع أن يؤدي إلى تراجع ملموس في إيرادات قناة السويس، والتي تُعد مصدرًا حيويًا للنقد الأجنبي للاقتصاد القومي. فقد حققت القناة خلال العام المالي 2023/2022 إيرادات بلغت حوالي 8.8 مليار دولار، أو ما يعادل 8.9% من إجمالي تدفقات النقد الأجنبي، وساهمت بنسبة تقارب 7.8% في نمو الناتج المحلي الإجمالي. وأظهرت قناة السويس قابليتها للتأثر في مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية في عام 2024، عندما أجبرت هجمات الحوثيين في البحر الأحمر العديد من الخطوط الملاحية على اتخاذ الطريق الأطول حول رأس الرجاء الصالح، مما تسبب في انخفاض حركة المرور عبر القناة بنسبة 68.4% خلال الربع الأول، وأسفر عن خسائر لمصر قُدرت بحوالي 7 مليار دولار أمريكي.
* تداعيات الأزمة الجيوسياسية على قطاع السياحة المصري
قد تُلقي الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بظلالها على قطاع السياحة، الذي يُمثل ثالث أكبر مصدر من النقد الأجنبي في مصر؛ حيث حققت السياحة في عام 2025 إيرادات بلغت 16.7 مليار دولار، أي ما يعادل 16.3% تقريباً من تدفقات العملة الأجنبية.
ويواجه هذا القطاع الحيوي اضطرابات محتملة في ضوء تحذيرات السفر الصادرة عن عدة دول، من بينها كندا وهولندا وإيطاليا وألمانيا، والتي حذرت من السفر إلى منطقة الشرق الأوسط. كما أدرجت وزارة الخارجية الأمريكية مصر ضمن قائمة الدول المُعرضة للتهديد، ونصحت مواطنيها بـ "المغادرة الفورية عبر وسائل النقل التجارية". وقد بدأت تداعيات الحرب تظهر بالفعل على النشاط السياحي، وسط تقارير تشير إلى قيام منظمي الرحلات بإلغاء حجوزاتهم إلى مصر.
* سُبل الخروج من الأزمة
قد يُمثل قطاع السياحة طوق نجاة محتمل للاقتصاد المصري من بين القطاعات الأربعة الأكثر تضررًا من الحرب، وهي: الأسواق المالية وإمدادات الطاقة وإيرادات قناة السويس والسياحة. وتظل مصر في مأمن من الضربات الإيرانية الانتقامية، مما يجعلها وجهة واعدة للسياحة الإقليمية والدولية. ويتعين على الحكومة اغتنام هذه الفرصة، والإعداد لإطلاق حملة تسويقية مكثفة تستهدف عطلات عيد الفصح وموسم الصيف.
** مصادر موجز «عدسة» في الرابط بأول تعليق
No comments:
Post a Comment