وسط ضجيج الثورة الفرنسية، ارتفع صوت رجلٍ كان يملك شيئًا نادرًا في تلك الأيام: القدرة على مخاطبة الثوار بلغة الثورة، ومخاطبة الملك بلغة السلطة.
كان ذلك الرجل أونوريه غابرييل ريكيتي، كونت ميرابو.
رجلٌ بملامح حادة، وصوت جهوري، وحضورٍ طاغٍ جعل خصومه يحسبون له ألف حساب. دخل ميرابو الحياة السياسية وهو يحمل وراءه سيرة مضطربة، وشخصيةً صاخبة، وسمعةً جعلته أقرب إلى المغامر منها إلى رجل الدولة.
ثم جاءت سنة 1789، فوجدت فرنسا نفسها أمام لحظة تاريخية هائلة.
الخزينة الملكية منهكة، والامتيازات الاجتماعية تحت ضغط متزايد، والجمعية العامة تحولت إلى مركز للقوة السياسية. ومع سقوط الباستيل، بدأت السلطة تنتقل تدريجيًا من القصر إلى الشارع والجمعية.
وفي وسط هذا التحول، برز ميرابو. كان يعرف قوة الجماهير، ويعرف أيضًا أن الدولة تحتاج إلى سلطة مركزية قادرة على الاستمرار. رأى في الملكية الدستورية صيغة يمكنها أن تجمع بين السيادة الشعبية وهيبة العرش.
وهنا بدأ مشروعه الحقيقي. كان يريد أن تتوقف الثورة عند نقطة يمكن معها بناء نظام جديد: ملك يحكم ضمن دستور، وبرلمان منتخب، وشعب يمتلك دورًا سياسيًا واسعًا، ودولة تحتفظ بمؤسساتها وقوتها.
ولهذا أصبح ميرابو صوتًا بارزًا داخل الجمعية الوطنية.
كانت خطبه أشبه بالمبارزات. يهاجم خصومه، يفرض إيقاعه على القاعة، ويحوّل الكلمات إلى سلاح سياسي. وحين كان يتحدث، كان النواب يصغون إليه لأنهم يعرفون أن خلف البلاغة عقلًا سياسيًا شديد الواقعية.
ومع مرور الوقت، بدأ ميرابو يتحرك على جبهة أكثر سرية.
أراد إقناع لويس السادس عشر بأن عليه أن يتكيف مع النظام الجديد، وأن يستخدم ما تبقى من نفوذه داخل الدولة بدل الدخول في مواجهة مفتوحة مع الثورة.
وبدأ التواصل بينه وبين البلاط. تلقى ميرابو أموالًا من البلاط، وأرسل المشورة السياسية إلى الملك، وقدم تصورًا لإعادة بناء سلطة التاج من داخل النظام الدستوري.
كان يرى أن الملك يحتاج إلى الظهور بمظهر المتصالح مع الثورة، ثم استعادة نفوذه تدريجيًا عبر المؤسسات.
حتى إنه تصور دورًا سياسيًا أكبر لنفسه، يمكنه من خلاله توجيه العلاقة بين الملك والجمعية الوطنية.
كان المشروع بالغ الخطورة. فالثوار الأكثر راديكالية كانوا ينظرون إلى الملكية بعين الريبة، والبلاط كان يفتقر إلى الثقة بميرابو وبالثورة معًا. وبين الطرفين وقف رجل يحاول إدارة التوازن فوق أرض تتشقق كل يوم.
أما ميرابو فقد كان قد وصل إلى المرحلة التي بدأ فيها مشروعه يحتاج إلى وقت. والوقت كان أكثر شيء تفتقر إليه الثورة.
بدأ جسد ميرابو نفسه ينهار. فقد كان يعمل لساعات طويلة، ويعيش حياة مرهقة، ويعاني من مشكلات صحية متفاقمة. وفي 2 أبريل 1791، مات في باريس عن عمر يناهز الثانية والأربعين.
خرجت جنازته في مشهد هائل، واصطف الآلاف في الشوارع لتوديع الرجل الذي رأى فيه كثيرون أعظم خطيب أنجبته الثورة.
لكن موته ترك فراغًا سياسيًا هائلًا. و مشروعه لم يصمد طويلًا بعد غيابه. ففي 20 و21 يونيو 1791، حاولت العائلة الملكية الفرار من باريس، في ما عُرف برحلة فارين. وعندما أُعيد لويس السادس عشر إلى العاصمة، تضررت صورة الملكية الدستورية بشدة، وانهارت الثقة بقدرة الملك على الالتزام بالنظام الجديد، لتدخل الثورة مرحلة أكثر راديكالية. وبعد عام واحد تقريبًا، سقطت الملكية الفرنسية.
بالعودة جنازته كانت فعلًا ضخمة، ودُفن في البانثيون في 4 أبريل 1791، وكان أول شخصية تُنقل إليه في العهد الثوري.
لكن هذا المجد لم يدم طويلًا. فبعد سقوط الملكية، كُشفت مراسلاته السرية مع لويس السادس عشر، وتحول البطل الثوري في نظر كثيرين إلى رمز للخيانة السياسية. وفي عام 1794، أُخرج رفاته من البانثيون.
لو عاش ميرابو فترة أطول، لربما امتلك فرصة حقيقية للتأثير في المسار السياسي، وربما كان قادرًا على دفع الملكية نحو تسوية دستورية أكثر استقرارًا.
التاريخ لا يمنحنا إجابة قاطعة عن هذا الاحتمال.
لكن شيئًا واحدًا يبقى واضحًا:
ميرابو مات في اللحظة التي كانت فرنسا فيها بأمسّ الحاجة إلى رجل يستطيع أن يتحدث مع الثورة والعرش في الوقت نفسه. وبموته خسر الملك حليفًا كان يفهم لغة الثورة، وخسرت الثورة رجلًا كان يرى حدود اندفاعها.

No comments:
Post a Comment