A Worldly Sudanese..

A Worldly Sudanese..
A Sudanese with a Global core.. Realizing how the taste marvelously varies across Countries, Continents, Religions and Cultures.. Believing we have to share it.. Denouncing the 2011 Sudanese Partition..

Monday, October 5, 2026

Dolchstoßlegende vs. Vergangenheitsbewältigung



مرَّت ألمانيا في العصر الحديث بنكبتين كبيرتين تسبَّبت كلٌّ منهما في جرح مكانة كبير. وكان رد الفعل الألماني في الجرح الأول مختلفًا تمامًا عن الرد في الجرح الثاني. ويمكن للمقارنة بين ردَّي الفعلين المختلفين أن تشكِّل تصورًا عامًّا عن تغيُّر النتائج بتغيُّر معطيات ردود الأفعال.

بعد الحرب الأولى: سردية الانتقام وطعنة الظهر

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بخسارة ألمانيا، فرض الحلفاء عليها عبر معاهدة فرساي عام 1919 شروطًا قاسية للغاية، حيث سلخت منها ما نسبته 13% من مساحة أراضيها و10% من سكانها، وفُرِضَ عليها تقليص جيشها مع وضع قيود على الصناعات العسكرية، كما فُرِضَ عليها بند الذنب بالحرب وبالتالي فُرِضَت عليها تعويضات كبيرة أثقلت الاقتصاد الألماني وصُودِرت كل مستعمراتها في إفريقيا والمحيط الهادي .
الرأي الشعبي الألماني كان غاضبًا جدًّا من شروط المعاهدة، حيث ساد اعتقادٌ عام أن أداء الجيش الألماني لم يكُن بهذا السوء على أراضيه وبالتالي لم يستحق هذه الهزيمة، وهكذا اعتُبر الأمر خيانة من قِبَل النخب السياسية التي استلمت الحكم بعد انتهاء الحرب (حكومة فايمار) وكانت مؤلَّفة من ائتلافٍ من الأحزاب التقليدية (الاشتراكيين والديمقراطيين والجمهوريين)، وألقى قادة الجيش باللوم على هذه الحكومة، وأيضًا على اليساريين واليهود الناشطين في الإضرابات العمالية، حيث اعتُبر ذلك إضعافًا للاقتصاد ساهم في قبول معاهدة فرساي ونشأ وانتشر خلال ذلك مفهوم الطعنة في الظهر Dolchstoßlegende  الذي وُجِّه نحو الشيوعيين واليهود .
هكذا نشأ جرح بليغ للكرامة، حيث تعرَّضت ألمانيا إلى إذلالٍ عُرف شعبيًّا وإعلاميًّا باسم (إملاءات فرساي Versailler Diktat) أو (سلام العار في فرساي Schandfrieden von Versailles) وصارت هناك مقارنات مؤلمة بين مجد 1871 (قيام ألمانيا الموحدة بقيادة بسمارك ) وعار 1919 (سنة توقيع معاهدة فرساي) .
وشكَّل كل ذلك بيئة مناسبة جدًّا لصعود زعيم شعبوي يستثمر في هذه المشاعر لصالح مشروع يسترد مكانة ألمانيا على نحو مبالغ به ويقدِّم سردية انتقامية لكل ما حدث: أدولف هتلر .

ما بدء في 1939 باسترداد ألمانيا لما سُلِخَ منها في 1919 تحوَّل ليكون حربًا عالمية قضت على أكثر من ستين مليون إنسان وامتدَّت لتشمل ثلاث قارات.
فلنتذكَّر هنا أن رد الفعل الألماني على الجرح الأول لم يعترف بالمسؤولية عما حدث، وفضَّل بدلًا عن ذلك توجيه اللوم إلى النخب السياسية والاقتصادية.

بعد الحرب العالمية الثانية: إعادة إنتاج ألمانيا

سقوط ألمانيا النازية وتقسيمها بين الحلفاء والاتحاد السوفياتي عام 1945 كان هزيمةً ساحقة لم يكُن ممكنًا معها الإنكار أو اللوم، وبخاصة مع انتشار تفاصيل الهولوكوست.
بعد نهاية الحرب بدأت في ألمانيا (الغربية خاصة) ثقافة جديدة عُرفت بـ "التعامل مع الماضي" (Vergangenheitsbewältigung)، وهي ثقافة تهدف إلى المصارحة بشأن ما اقترفته النازية من جرائم بعيدًا عن الإنكار والتجاهل، وشملت هذه الثقافة نقاشاتٍ عامة، وإدخال مواد خاصة بالأمر في المناهج الدراسية، وتقديم تعويضات لذوي الضحايا، وإقامة أنصاب تذكارية في مختلف المدن الألمانية. وكان ذلك تابعًا متممًا لعملية اجتثاث النازية التي فرضها الحلفاء) إضافة إلى نزع السلاح، الديمقراطية والفيدرالية).
 من خلال هذه الثقافة أُعيد تشكيل ألمانيا  بمعزلٍ عن إرث هتلر مع الاعتراف بالمسؤولية عن وصوله إلى السلطة، وبُنِيَ أيضًا اقتصاد قوي (بدعم من مشروع مارشال ) مع توفير شبكات حماية اجتماعية للفقراء، ونشأ مفهوم المواطنة الدستورية (طُوِّر على يد الفيلسوف باهرماس  وآخرين) الذي أعاد تعريف الولاء والمواطنة لتكون موجَّهة نحو القيم الدستورية والديمقراطية بمعزلٍ عن الولاءات العرقية والقومية وكبديل للهوية الوطنية التقليدية.

خلال الخمسينيات وما بعدها، تمكَّن الألمان من تحقيق ما عُرف بالمعجزة الاقتصادية، وأصبح التميز الصناعي مصدر فخر بديلًا عن الفخر العسكري الذي ميَّز الحقب السابقة، وبسبب تحجيم قدرات التسلح، وُجِّه الانضباط والالتزام الذي عُرف به الألمان نحو خطوط المصانع والمختبرات البحثية، وتحوَّل المهندس والمبتكر الألماني في الوجدان الشعبي إلى "البطل القومي" الجديد بدلًا من الجنرال العسكري . وبحلول ستينيات القرن العشرين، صِيغت الهوية الألمانية الحديثة بالكامل حول مفاهيم: الإتقان الهندسي، والمتانة، والمسؤولية الاجتماعية للاقتصاد. وأصبح شعار (صُنع في ألمانيا) نموذجًا بديلًا عن الوطنية السياسية وتعبيرًا من المواطن الألماني عن اعتزازه ببلده .

لماذا كانت نتيجتا جرحَي المكانة مختلفتين؟

كانت هزيمة 1945 أكثر شمولًا ولم تترك مجالًا واسعًا للادعاء أن الجيش لم يُهزَم كما حدث بعد الحرب العالمية الأولى.
في ذات الوقت لم تفرض عقوبات اقتصادية شبيهة بما حدث في فرساي، على العكس جاء مشروع مارشال الأمريكي ليساعد على إعادة الإعمار مما خفَّف دوافع الانتقام. كما أدَّت برامج اجتثاث النازية إلى إعادة بناء المؤسسات والتعليم والإعلام.
هنا لا يمكن تجاهل الدعم الغربي لنموذج ألمانيا الغربية باعتبارها في مواجهة نموذج شيوعي في ألمانيا الشرقية. وكان النجاح الاقتصادي لألمانيا الغربية بمنزلة دليل على أن الرأسمالية أكثر نجاحًا من الشيوعية، وكان هذا أمرًا محتدمًا في أثناء الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة.
في النموذج الألماني يتوضح أن جرح المكانة يمكن أن يُوظَّف في اتجاهين، اتجاه ينكر المسؤولية ويتجه إلى سردياتٍ انتقامية، واتجاه آخر يتحمَّل المسؤولية وينجز قطيعة مع الماضي النازي ويوظِّف الجهود نحو البناء والتنمية.

من كتاب: كشف المستور عمّا أصاب العقل الجمعي من قصور

No comments:

Post a Comment