Friday, December 19, 2025

المؤتمر الراقص


 في عام 1814، تحولت العاصمة النمساوية فيينا إلى مسرح لأفخم وأخطر تجمع سياسي عرفته أوروبا في تاريخها الحديث، فبعد ربع قرن من الحروب الثورية والنابليونية التي مزقت القارة وغيرت حدودها عشرات المرات، سقط "الوحش الكورسيكي" نابليون بونابرت ونُفي إلى جزيرة إلبا، ليتنفس ملوك أوروبا الصعداء ويقرروا الاجتماع لكنس آثار الثورة الفرنسية وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. لقد كان المؤتمر كما وصفه الأمير دي لين، "مؤتمراً راقصاً"، حيث كانت القرارات المصيرية تُطبخ في قاعات الرقص الفارهة، وعلى موائد العشاء المترفة، وفي المخادع السرية، أكثر مما كانت تُناقش على طاولات الاجتماعات الرسمية، تحت إدارة مضيف المؤتمر ومهندسه، المستشار النمساوي الداهية "كليمنس فون مترنيخ"، الذي كان يرى في الحرية والديمقراطية "مرضاً" يجب استئصاله ليعود النظام القديم.

كان الهدف المعلن هو تحقيق "توازن القوى" بحيث لا تستطيع دولة واحدة (فرنسا تحديداً) أن تبتلع أوروبا مرة أخرى، لكن الكواليس كانت تغلي بصراع المصالح بين المنتصرين. فالقيصر الروسي "ألكسندر الأول"، الذي جاء بجيشه الجرار وتصوفه الديني الغريب، كان يطمع في ابتلاع بولندا بالكامل، بينما كانت بروسيا تريد ضم مملكة ساكسونيا الغنية كغيمة حرب، وهو ما أثار ذعر النمسا وبريطانيا، ممثلة بوزير خارجيتها البارد "كاسلري"، اللتين خشيتا من استبدال هيمنة نابليون الفرنسية بهيمنة روسية جديدة، وفي خضم هذا الخلاف، برزت عبقرية "تشارلز تاليران"، وزير خارجية فرنسا المهزومة، ذلك "الثعلب الأعرج" الذي خدم لويس السادس عشر، ثم الثورة، ثم نابليون، وجاء الآن ليخدم الملكية المستعادة، فقد استغل خلافات المنتصرين ببراعة مذهلة، مناوراً بينهم ليحول فرنسا من "متهم مهزوم" إلى شريك أساسي في اتخاذ القرار، كاسراً عزلتها الدولية.

وبينما كان الملوك غارقين في مساوماتهم ومكائدهم، نزل عليهم خبر كالصاعقة في مارس 1815 جمد الدماء في عروقهم وأوقف الموسيقى في قاعات فيينا: "نابليون هرب من إلبا وعاد إلى باريس". هذا الحدث الدرامي، المعروف بـ "الأيام المائة"، أجبر الحلفاء المتنازعين على نبذ خلافاتهم فوراً وتوحيد جيوشهم لسحق نابليون نهائياً في "واترلو"، ليعودوا بعدها إلى طاولات الخرائط بمبضع جراح أكثر قسوة وحسماً، مصممين على رسم حدود لا تعتمد على رغبات الشعوب أو القوميات، وانما على مصالح الأسر الحاكمة وتأمين العروش.

تكمن عبقرية "تاليران" المصيرية في أنه خاض في فيينا معركة أصعب من معارك نابليون. فقد وصل إلى المؤتمر ممثلاً لدولة مهزومة، منبوذة، وكان السيناريو المرجح هو أن يقوم المنتصرون (بريطانيا، روسيا، النمسا، بروسيا) بتقاسم الأراضي الفرنسية أو تحجيمها لتصبح دولة هامشية صغيرة عقاباً لها. لكن تاليران، بدهائه الشيطاني، لعب ورقة "الشرعية". حيث أقنع الملوك بأن "فرنسا" ليست هي "نابليون"، وأن الملك لويس الثامن عشر هو "ضحية" مثلهم تماماً، وبالتالي لا يجوز معاقبة الضحية.

والأهم من ذلك، أنه استغل جشع الحلفاء. فعندما كادت الحرب تندلع بين (روسيا وبروسيا) من جهة و(النمسا وبريطانيا) من جهة أخرى حول تقاسم بولندا وساكسونيا، عرض تاليران جيش فرنسا المهزوم كـ "حليف" للنمسا وبريطانيا لترجيح كفتهم، وبهذه المناورة العبقرية، كسر التحالف الرباعي الذي كان موجهاً ضد بلاده، وحول فرنسا من "متهم في القفص" إلى "شريك في الحكم" يجلس على رأس الطاولة ويوقع المعاهدات كدولة عظمى. ولولا هذا الاختراق الدبلوماسي الذي حققه تاليران قبل عودة نابليون، لكانت "الأيام المائة" ومغامرة نابليون الأخيرة ذريعة كافية للمنتصرين لمحو فرنسا من الخريطة وتقسيمها كما قسموا بولندا، لكن تاليران كان قد ثبت أقدام فرنسا مسبقاً، فخرجت من الحرب (رغم هزيمة نابليون الثانية) محتفظة بحدودها القديمة ومكانتها الدولية، وهو ما عُدّ معجزة دبلوماسية لا تقل عن الانتصارات العسكرية.

أفرز المؤتمر خريطة جديدة تماماً للقارة العجوز، صُممت لتكون قفصاً يحبس فرنسا ويمنع أي ثورة مستقبلية. فقد أحيطت فرنسا بـ "دول عازلة" قوية، حيث دمجت هولندا مع بلجيكا (التي كانت نمساوية) لتشكيل "مملكة الأراضي المنخفضة المتحدة" كحاجز شمالي، ومُنحت بروسيا منطقة "راينلاند" الصناعية على الحدود الفرنسية لتكون حارساً غربياً، بينما استعادت النمسا سيطرتها المباشرة وغير المباشرة على شمال إيطاليا، وتم تجاهل الطموحات القومية للألمان والإيطاليين والبولنديين بجرة قلم، فبدلاً من توحيد ألمانيا، أنشأ المؤتمر "الكونفدرالية الألمانية" الهشة المكونة من 39 دويلة تحت النفوذ النمساوي، وقُسمت بولندا مرة أخرى بين روسيا والنمسا وبروسيا، وعادت العائلات الملكية القديمة (البوربون) إلى عروش فرنسا وإسبانيا ونابولي، ليعلن المؤتمر انتصار "الشرعية الملكية" على "السيادة الشعبية".

نجح مؤتمر فيينا في تحقيق ما عجزت عنه المعاهدات السابقة، فقد منح أوروبا قرناً كاملاً من السلام النسبي (لم تحدث حرب شاملة تشمل كل القوى العظمى حتى الحرب العالمية الأولى 1914) بفضل نظام "المحفل الأوروبي" الذي أرساه، لكنه كان سلاماً ملغوماً، بُني على كبت تطلعات الشعوب وتجاهل قوى التاريخ الصاعدة، مما جعل القرن التاسع عشر سلسلة من الانفجارات الثورية المتتالية التي حاولت تمزيق القيود التي صاغها مترنيخ ورفاقه، ليثبت التاريخ أن المؤتمر قد نجح في إعادة رسم الخرائط، لكنه فشل في إعادة صياغة الوعي البشري الذي كان قد تذوق طعم الحرية ولا يمكنه نسيانه.

No comments:

Post a Comment