Friday, December 19, 2025

حرب العقول


في ليلة من شهر يوليو عام 1937، وتحديداً عند "جسر ماركو بولو" القديم على أطراف بكين، انطلقت رصاصات غامضة في الظلام لم يُعرف مطلقها، لكنها كانت الذريعة التي انتظرها جنرالات طوكيو طويلاً. في تلك الليلة، تحركت تروس الآلة العسكرية الإمبراطورية اليابانية، التي كانت تعتبر نفسها سيدة آسيا بلا منازع، لتبدأ اجتياحاً شاملاً للصين، معلنةً أن "التنين المريض" سيسقط في غضون ثلاثة أشهر فقط. تدفقت القوات اليابانية كالسيل الجارف، مدعومة بتفوق جوي وتكنولوجي ساحق، بينما وقف الجيش الصيني ببنادقه القديمة وعزيمته العارية يواجه واحداً من أشرس جيوش العالم.

تحولت الأرض الصينية إلى مسرح لأهوال لا يستوعبها العقل. ففي ديسمبر 1937، سقطت العاصمة نانجينغ، وارتكب الغزاة "مذبحة نانجينغ" المروعة التي استمرت ستة أسابيع، حيث صبغت دماء مئات الآلاف من المدنيين والعزل مياه نهر يانغتسي، في محاولة يابانية لكسر الروح المعنوية للصين وإجبارها على الاستسلام الفوري. لكن، وبشكل خالف كل الحسابات اليابانية، لم يرفع الصينيون الراية البيضاء. بدلاً من ذلك، تبنت الحكومة القومية بقيادة "تشانغ كاي شيك" والشيوعيون بقيادة "ماو تسي تونغ" (رغم عداوتهما) استراتيجية "استبدال المكان بالزمان". تراجعوا إلى العمق الجغرافي الوعر، ونقلوا العاصمة إلى "تشونغتشينغ" الجبلية، وجروا الجيش الياباني إلى "مستنقع" هائل ابتلع مئات الآلاف من الجنود اليابانيين في حرب استنزاف وحرب عصابات لا تنتهي، مما منع اليابان من توجيه كامل قوتها نحو الجبهات الأخرى في المحيط الهادئ أو ضد السوفييت.

حين اندلعت الحرب العالمية الثانية بشكلها العالمي بعد هجوم بيرل هاربر عام 1941، أدرك الحلفاء (أمريكا وبريطانيا) أن صمود الصين هو "محور ارتكاز" استراتيجي. فلو سقطت الصين، لتحررت ملايين القوات اليابانية لتجتاح الهند أو أستراليا. وتقديراً لهذا الدور الدموي الهائل (حيث دفعت الصين فاتورة بشرية تجاوزت 20 مليون ضحية بين قتيل وجريح) أصر الرئيس الأمريكي روزفلت، رغم اعتراضات تشرشل أحياناً، على اعتبار الصين واحدة من "الشرطة الأربعة" الذين سيحفظون السلام العالمي بعد الحرب. وهكذا، حين استسلمت اليابان عام 1945، خرجت الصين من تحت الركام دولةً مهشمة ولكن "منتصرة"، لتنتزع مكانها كعضو مؤسس في الأمم المتحدة، وتحصل على "المقعد الدائم" في مجلس الأمن، اعترافاً بأن دماء أبنائها كانت جزءاً من ثمن حرية العالم.

لكن الصين، التي تحولت إلى الشيوعية عام 1949 وجدت نفسها في عالم أخطر. خلال الحرب الكورية (1950-1953)، هدد الجنرال الأمريكي "ماك آرثر" علناً باستخدام السلاح النووي ضد الصين. حينها، أدرك ماو تسي تونغ حقيقة مرعبة: "بدون القنبلة، نحن لا نزال عزلاً، ومقعدنا في مجلس الأمن مجرد كرسي خشبي".

في البداية، اعتمدت الصين على "الأخ الأكبر" السوفيتي. وقعت بكين وموسكو اتفاقية سرية عام 1957 وعد فيها السوفييت بتسليم الصين نموذجاً لقنبلة ذرية ومساعدتهم في بنائها. تدفق الخبراء الروس، وبدأ العمل.

لكن شهر العسل لم يدم. خاف الزعيم السوفيتي "خروتشوف" من طموحات ماو وتهوره، وشعر أن الصين قد تجر الاتحاد السوفيتي لحرب نووية غير مرغوبة مع أمريكا. وفي يونيو 1959، جاءت الضربة القاضية: مزق السوفييت الاتفاقية فجأة. سحبوا جميع علمائهم، وأخذوا معهم المخططات الهندسية، بل وأحرقوا الوثائق التي لم يستطيعوا حملها، تاركين المصانع الصينية هياكل خرسانية فارغة.

أطلق الصينيون على مشروعهم النووي اسم "596" (تخليداً لشهر يونيو 1959، شهر الغدر السوفيتي). تحول المشروع إلى "معركة كرامة وطنية".

كان التحدي هندسياً ورياضياً بالدرجة الأولى. السوفييت أخذوا الحواسيب والبيانات. هنا برزت العبقرية الصينية المتمثلة في شخصيتين محوريتين:

تشيان شيويه سن (Qian Xuesen): عالم الصواريخ الذي طردته أمريكا في الخمسينيات بتهمة الشيوعية (في واحدة من أكبر أخطاء أمريكا الاستراتيجية)، فعاد للصين ليقود برنامج الصواريخ.
و دينغ جياشيان (Deng Jiaxian): الفيزيائي الذي قاد الفريق النظري.

في معهد الفيزياء ببكين، حدث مشهد يفوق الخيال. لتعويض غياب الحواسيب الإلكترونية المتطورة، جندت الصين آلاف الطلاب والعلماء في غرف مغلقة، يعملون في نوبات لمدة 24 ساعة، يقومون بإجراء أعقد الحسابات الفيزيائية للأنشطار النووي باستخدام "المعداد الخشبي" (Suanpan) والآلات الحاسبة اليدوية البسيطة. كانوا يجرون الحسابات ثلاث مرات بفرق مختلفة للتأكد من النتيجة.

وفي صحراء "لوب نور" القاحلة، بنى الجنود والعلماء مدينة سرية من الخيام، تحملوا العواصف الرملية والجوع ونقص المياه، مدفوعين بإرادة فولاذية.

 بحلول عام 1961، بدأت طائرات التجسس الأمريكية "U-2" (التي كان يقودها طيارون تايوانيون انطلاقاً من تايوان) تلتقط صوراً مريبة لمنشآت في "لانتشو" و"باوتو". أظهرت الصور مصانع لتخصيب اليورانيوم وأبراجاً تشبه تلك التي استخدمت في مشروع مانهاتن.

وصلت التقارير إلى مكتب الرئيس جون كينيدي. كان كينيدي مقتنعاً بأن "الصين النووية" أخطر بكثير من روسيا النووية، لأن ماو بدا غير عقلاني ومستعداً للتضحية بملايين البشر.
في عام 1963، درست واشنطن بجدية خطة عسكرية سرية لتوجيه ضربة وقائية (Preemptive Strike) لتدمير المنشآت النووية الصينية قبل اكتمالها. وصلت الجرأة بالأمريكيين إلى حد التواصل السري مع السوفييت (أعدائهم في الحرب الباردة) لاقتراح "عملية مشتركة" أو على الأقل ضمان حياد موسكو إذا قصفت أمريكا الصين.

لكن الكرملين رفض، ولم يتحمس الرئيس الأمريكي الجديد ليندون جونسون (بعد اغتيال كينيدي) للمغامرة. كانت المخاطرة هائلة: قصف المنشآت قد يفشل في تدمير القنبلة المخفية، وقد يؤدي لاجتياح صيني شامل لكوريا الجنوبية أو تايوان أو فيتنام، مما يغرق أمريكا في حرب آسيوية لا نهاية لها. قررت واشنطن في النهاية الاكتفاء بالمراقبة، مراهنة على أن الصين ستفشل تقنياً أو ستتأخر لسنوات.

في الساعة الثالثة من بعد ظهر يوم 16 أكتوبر 1964، خيبت الصين آمال واشنطن وموسكو معاً. في صحراء لوب نور، سطع وميضٌ أعمى العيون تبعه دوي زلزل الأرض. ارتفعت سحابة الفطر النووي المميزة، وأعلنت إذاعة بكين للعالم: "اليوم، امتلكت الصين القنبلة.. لكسر الاحتكار النووي للقوى العظمى".

كان النجاح صادماً في توقيته (أبكر بسنوات مما توقعته المخابرات الأمريكية)، وفي نوعيته (استخدموا اليورانيوم المخصب بدلاً من البلوتونيوم الأسهل، وهو إنجاز تقني رفيع).

وهكذا، انتصرت الصين في "حرب العقول" وفرضت نفسها كقوة لا يمكن لأحد (بعد ذلك اليوم) أن يفكر في غزوها أو تجاهل صوتها في مجلس الأمن.

No comments:

Post a Comment