Friday, December 12, 2025

مصر بالتليسكوب أم بالميكروسكوب

 

نجوى عسران

‏لماذا مصر؟
عشت في دول كثيرة
والدي (الله يرحمه) كان ديبلوماسي وعمل فترة في الامم المتحدة في جينيف.
فانا من مواليد كندا ( التي احمل جنسيتها إلى جانب جنسيتى المصرية) وذهبت إلى مدارس في إيطاليا وسويسرا وعندما تزوجت انتقلت مع زوجي إلى الكويت.
وفي فترة من حياتي كان لدي "خصام " - ليس خصومة- لكن خصام مع مصر.
كنت لا أتحمل صخبها وفوضويتها وقسوتها.
لا افهم موروثاتها وثوابتها وتقبلها للكثير من الأمور التي كانت بالنسبة لي ضد المنطق.
وكنت اكره كلمة "معلش".
ولا اتفهم طبيعة المصريين في اختلاق الحجج والأعذار لكل تصرف خاطيء.
وبطبيعة الحال لا يمكن أقود سيارة في شوارعها حتى لا اصاب بازمة قلبية
هكذا كنت أراها.
ضغط نفسي.
وعشت في دول كثيرة.
دول يحكمها القانون لا مكان للفوضى،
كل شيء له اطر وقوانين تحكمه.
دول مفيهاش "معلش."
في كندا انت تمشي حسب مجموعة من القوانين والإرشادات لا تستطيع ان تحيد عنها ولا تتمرد عليها، والا القانون الذي حماك هو نفسه الذي سيسلط عليك بلا رحمة.
في سويسرا انت جزء من "ترس" الساعة عليك ان تكون منضبطا تماما، لا مجال لك ان تتأخر ثانية او تسبق ثانية، حتى لا يختل ميزان الزمن. واختلال الميزان في سويسرا خطيئة لا تغتفر.
وفي دول الخليج بصفة عامة انت "وافد" لك ما لك وعليك ما عليك احترم نفسك يحترموك اغلط مع السلامة وخد الباب في ايدك.
ثم كبرت.
وبدات احاول ان افهم مصر.
ما هى ليست اختياري، في النهاية بالنسبة لكل مصري "مصر" سؤال اجباري لا تستطيع ان تتجاهله.
كانت بداية علاقتي الحقيقية مع مصر في عام ٢٠١٠،
قبل "ثورة يناير" بسنة - سنتها تم تعييني مديرة مكتب مصر لقناة cnbc عربية إلى جانب مكتب الكويت.
وقررت ان انزل من برجي العاجي واحاول ان افهم هذه البلد التي يطلقون عليها "ام الدنيا"، ربما لانها اقدم دولة في التاريخ - او هكذا ظننت.
واعتقد اني أدين كثيرا إلى الدكتور احمد زويل في نصيحة قالها في احدى المناسبات التي كنت حاضرة فيها . قال:
"مصر… إذا نظرت اليها بالميكروسكوب حتتعب اوي.. مصر لازم تراها بالتليسكوب حتى تفهمها."
وبدات ارى مصر بالتليسكوب.
رايت بلد كبير جميل يستوعب كل المتناقضات التي يمكن ان تتخيلها ولا تنخيلها.
رايت شعب صبور، مبتسم، ساخر ، متقبل، رحيم، غلبان قوي، فقير في ماله، غني في هويته.
رايت موروثات تعتقد انها بلا منطق، ولكن في الواقع هذا "اللا منطق" هو من حمل هذا البلد ليتجاوز ازمات ومحن وحروب، كان تطبيق المنطق فيها قد يدفعك إلى الجنون، ولكن اللا منطق هو نوع من البراجماتية يجعل اللا معقول مقبول.
وفهمت حكاية كان رواها لي احد المسئولين ، لا اعلم مدى صحتها ولكنها كاشفة: قال انه ايام الرئيس مبارك كانت مصر تعاني من ازمة مرورية حادة،
فطلبوا من البابان ان ترسل فريقا يدرس شبكة الطرق في مصر لتقديم حل للازمة.
وحضر اليابانيون وظلوا ستة اشهر يدرسون شبكة الطرق في مصر.
وفي نهاية الفترة قدموا تقرير:
We don’t know how you do it
But keep doing it.
لا نعلم كيف تفعلونها
ولكن استمروا فيما تفعلون!
انها عبقرية اللا منطق… وسخرية مصر اللا منطقية!
وكانت اكبر دهشة لي الاجانب الذين يعيشون في مصر. تجد الماني ( بلد العمل ) وسويسري ( موطن الانضباط) و خليجي ( عنوان الرفاهية) كلهم يعشقون عيشتهم في مصر.
يرون تناقضاتها مثيرة وفوضويتها حرية واللا منطق سر جمالها.
يرون شعبها دافيء ومنطقه الساخر يلمس لدى الكثير منهم جزء من إنسانية مفقودة ضاعت وسط القوانين والانضباط والرفاهية.
واخيرا فهمت لماذا مصر يطلقون عليها "ام الدنيا"، ليست لانها اقدم بلد، ولكن لانها ارحم بلد بعباد الله جميعا، تستقبل كل من لجأ اليها، وتحتضنه في وقت شدته وتسامح من يخطا في حقها وتتحمل الغبن والجحود .. قلب الام .. حنعمل ايه
وفهمت ان كلمة "معلش" هي طبطبة المصري لنفسه وهي اللي مكنته ان يبقى على وجه هذه الارض الاف السنين متحملا تقلباتها ومزاجيتها وجنونها.
وعرفت ان مصر لازم تأخذها كده كما هي، تفهمها وتحبها، او تفضل متعالي عليها، وبصراحة انت الخسران،
وادركت اني اتصالحت مع مصر اخيرا عندما قررت اني اطلع رخصة قيادة واقود سيارة في شوارعها.
معلش…وربنا يستر.


Sherif Mansour
حقيقي جدا،،، د. زويل كان شايف للصورة العامة،، وفاهم تعقيداتها ،، مصر… إذا نظرت اليها بالميكروسكوب حتتعب اوي.. مصر لازم تراها بالتليسكوب حتى تفهمها


No comments:

Post a Comment