كانت الولايات المتحدة عام 1942 تعيش كابوساً متصلاً. لم يمضِ سوى ثلاثة أشهر على هجوم "بيرل هاربر" المباغت، وكانت السواحل الغربية (كاليفورنيا) تعيش حالة من "البارانويا" الجماعية، تتوقع ظهور الغواصات اليابانية أو الطائرات "الصفرية" (Zero) عند كل موجة بحر أو خلف كل غيمة. زاد الطين بلة قصف غواصة يابانية لحقل نفط في "إلوود" قبل يوم واحد فقط، مما جعل أعصاب سكان لوس أنجلوس مشدودة كأوتار الكمان، جاهزة للانقطاع عند أدنى همسة.
في الساعات الأولى من صباح الخامس والعشرين من فبراير، دوت صافرات الإنذار لتمزق سكون المدينة. انقطعت الكهرباء، وغرقت لوس أنجلوس في ظلام دامس (تعتيم شامل) بأمر عسكري. رصدت الرادارات "هدفاً مجهولاً" في السماء، وتسمرت عيون الآلاف من الجنود والمدنيين نحو الأعلى.
فجأة، وفي تمام الساعة 3:16 صباحاً، تحول الظلام إلى نهار ساطع. انطلقت كشافات البحث العملاقة من كل حدب وصوب، وتقاطعت أشعتها لتمسك بشيء ما يحلق ببطء فوق المدينة. وبأمر واحد، فتحت بطاريات المدفعية المضادة للطائرات (اللواء 37) نيرانها. انطلقت السماء بوابل من القذائف المتفجرة. أكثر من 1400 قذيفة عيار 12.8 رطل أُطلقت في سماء المدينة خلال ساعة واحدة.
كان المشهد أقرب للخيال. السماء تمطر شظايا متوهجة، ودخان الانفجارات يغطي النجوم، والأضواء الكاشفة تركز على جسم غامض. تضاربت الروايات بشكل جنوني. رأى بعض الجنود تشكيلاً كاملاً من الطائرات اليابانية، ورأى آخرون جسماً ضخماً واحداً يشبه "المنطاد"، بينما أقسم مدنيون أنهم رأوا طائرات تسقط في البحر. استمر القصف العنيف، واهتزت المنازل، وتناثرت الشظايا الحديدية على السيارات والشوارع الخلفية، محطمة النوافذ والأسقف، في حين بقي "الهدف" في السماء سليماً وكأنه محصن ضد الفيزياء.
عندما أشرقت شمس الصباح، وزال الدخان، انتظر الجميع رؤية حطام الطائرات اليابانية الغازية. لكنهم وجدوا... لا شيء. لم تسقط طائرة واحدة. لم يكن هناك حطام، ولا جثث لطيارين، ولا قنابل معادية. الخسائر الوحيدة كانت أمريكية بحتة: خمسة مدنيين ماتوا تلك الليلة (بنوبات قلبية من الرعب، وحوادث مرور بسبب الظلام)، بالإضافة إلى أضرار مادية واسعة من "النيران الصديقة" المتساقطة.
وقف الجيش الأمريكي في موقف محرج للغاية. وزير البحرية "فرانك نوكس" سارع للقول إن الأمر كله كان "إنذاراً كاذباً" ناتجاً عن توتر الأعصاب. لكن الجيش، في محاولة لحفظ ماء الوجه، ادعى أن طائرات تجارية صغيرة ربما استُخدمت من قبل العدو كاستطلاع.
لاحقاً، اسفرت التحقيقات والوثائق التاريخية التفسير الذي قد يكون أقرب للمنطق بالنسبة للكثيرين: ما حدث كان مزيجاً من "بالون أرصاد جوية" شارد التقطته الأضواء، و"هستيريا الحرب" الجماعية. بمجرد أن بدأ إطلاق النار، خلقت انفجارات القذائف ودخانها أشكالاً في السماء، ظن الجنود المتوترون أنها طائرات، فاستمروا في إطلاق النار على "دخان قذائفهم السابقة"، في حلقة مفرغة من الذعر.
No comments:
Post a Comment