Friday, January 9, 2026

الجمهورية الخامسة


في صيف عام 1945، كانت باريس ترقص في الشوارع احتفالاً بالنصر، لكن تلك الاحتفالات كانت تخفي تحتها واقعاً بطعم الرماد. فرنسا، التي كانت يوماً سيدة أوروبا، خرجت من الحرب العالمية الثانية "منتصرة اسمياً" بفضل ديغول والحلفاء، لكنها كانت في العمق دولة مهزومة نفسياً، مدمرة اقتصادياً، وممزقة اجتماعياً. كان شبح "نظام فيشي" المتواطئ مع النازية لا يزال يخيم على الأجواء، وبدأت ما عرفت بـ "حملة التطهير" (L'Épuration). حيث نُصبت المحاكم السريعة للخونة، وحُلقت رؤوس النساء اللواتي ارتبطن بالألمان في الساحات العامة، في محاولة هستيرية من المجتمع لغسل عاره بيده قبل أن يبدأ البناء.

وسط هذا الركام، وتحت مظلة "الجمهورية الرابعة" الهشة سياسياً (حيث كانت الحكومات تسقط كل بضعة أشهر)، حدثت المعجزة الاقتصادية التي أطلق عليها الخبراء لاحقاً اسم "الثلاثون المجيدة" (Les Trente Glorieuses). قاد المهندس التكنوقراطي "جان مونيه" خطة تحديث صارمة، مستفيداً من أموال "خطة مارشال" الأمريكية.
تحول الفلاح الفرنسي التقليدي إلى عامل صناعي، وشُقت الطرق السريعة، واستثمرت في السكك الحديدية وصناعة الطائرات (مثل الكارافيل ثم الكونكورد). ارتفع مستوى المعيشة، وانفجرت ديموغرافيا "طفرة المواليد" (Baby Boom)، لتعود فرنسا دولة شابة وحيوية، تتحدى صورتها القديمة كـ "رجل أوروبا المريض".

لكن، وبينما كان الاقتصاد يزدهر في الداخل، كانت "الإمبراطورية الاستعمارية" تحترق في الخارج. رفضت فرنسا قراءة حركة التاريخ، وحاولت التمسك بمستعمراتها بالقوة.
في عام 1954، تلقت الصفعة الأولى في "ديان بيان فو" بفيتنام، حيث أُبيدت زهرة الجيش الفرنسي على يد الفيتناميين، مجبرة باريس على الخروج مذلولة من آسيا.
ولم تكد تضمد جراحها، حتى انفجر الجرح الأكبر والأخطر: الجزائر.
لم تكن الجزائر مجرد مستعمرة فرنسية، حيث كانت تُعتبر "فرنسا في أفريقيا". اندلعت ثورة التحرير الجزائرية، وردت فرنسا بوحشية، لكن الحرب تحولت إلى مستنقع سياسي وأخلاقي، هدد باندلاع حرب أهلية في شوارع باريس نفسها، ماتسبب في سقوط الجمهورية الرابعة.

أمام خطر الانقلاب العسكري والفوضى، استدعت فرنسا "رجل الأقدار" الذي كان قد اعتزل في قريته، الجنرال "شارل ديغول". عاد ديغول بشرط واحد: تفصيل دستور جديد يمنح الرئيس صلاحيات واسعة (شبه ملكية).
وهكذا، وُلدت "الجمهورية الخامسة" عام 1958. اتخذ ديغول القرار المؤلم والشجاع بقبول استقلال الجزائر عام 1962، ليوقف النزيف، ثم التفت لبناء "عظمة فرنسا" (Grandeur).
رفض ديغول أن تكون بلاده تابعاً لأمريكا. فانسحب من القيادة العسكرية للناتو، وطرد القواعد الأمريكية من فرنسا، وأمر بتطوير القنبلة الذرية الفرنسية (التي كان قد أطلقها بالفعل في الجزائر)، لتصبح بلاده قوة ردع مستقلة، وبنى علاقات خاصة مع ألمانيا (أديناور) والاتحاد السوفيتي والعرب، راسماً لفرنسا دور "القوة الثالثة" المتوازنة.

وفي خضم هذا الاستقرار الأبوي الصارم الذي فرضه ديغول، نسي الجنرال العجوز أن الجيل الذي ولد بعد الحرب قد كبر. في مايو 1968، انفجرت الشوارع مرة أخرى، بسبب "الملل" والرغبة في التحرر الاجتماعي.
خرج الطلاب والعمال في ثورة ثقافية عارمة، قذفوا الشرطة بالحجارة، وأغلقوا الجامعات، ورفعوا شعار "ممنوع المنع". اهتز عرش ديغول، ورغم أنه نجح في احتواء الأزمة سياسياً، إلا أنه أدرك أن زمانه قد ولى، فاستقال في العام التالي (1969) ومات بعد فترة وجيزة.

تركت حقبة ما بعد الحرب فرنسا مختلفة كلياً. دولة تخلصت (مكرهة) من أعباء الاستعمار القديم، لكنها احتفظت بنفوذ ثقافي ولغوي (الفرنكوفونية)، ودولة جمعت بين "التخطيط الاشتراكي" و"الرفاهية الرأسمالية"، مسلحة نووياً، ومتمسكة بـ "الاستثناء الثقافي" الفرنسي، لتثبت أنها، ورغم كل العثرات، العنقاء التي تجيد دائماً النهوض من بين الرماد لتفرض هيبتها على الطاولة الأوروبية.

No comments:

Post a Comment