Saturday, January 10, 2026

الملائكة أم الروث








كانت قلعة براغ الملكية بحي"هاردشاني" عام 1618 تغلي كمرجل يوشك على الانفجار. وفي الثالث والعشرين من مايو، بلغ التوتر الديني ذروته بين النبلاء البوهيميين (البروتستانت) وبين الإمبراطورية الرومانية المقدسة (الكاثوليكية) التي بدأت تتراجع عن وعودها بالتسامح الديني. صعدت مجموعة من النبلاء الغاضبين، مدججين بالسيوف وبقيادة الكونت "ثورن"، درجات القلعة، واقتحموا قاعة المجلس ليواجهوا ممثلي الإمبراطور، الكونت "سلافاتا" والكونت "مارتينيتز".

لم تقتصر نية النبلاء على تقديم عريضة احتجاج، وانما إجراء "محاكمة ميدانية" فورية. حاصروا الممثلين الكاثوليكيين في زاوية الغرفة، واتهموهما بأنهما "أعداء للدين والحرية". احتدم الجدال، وتصاعد الصراخ، وفي لحظة غضب جماعي، قرر المتمردون تطبيق عقوبة قديمة ومهينة: "التخلص منهم عبر النافذة".

أمسك الرجال الأقوياء بـ "سلافاتا" و"مارتينيتز"، ومعهما سكرتيرهم التعيس الحظ "فابريسيوس" الذي كان يصرخ طلباً للرحمة، وساقوهم نحو النافذة المفتوحة في الطابق العلوي. ورغم تشبثهم بإطار النافذة ومقاومتهم اليائسة، إلا أن الكثرة غلبت، وقُذف بهم واحداً تلو الآخر ليهووا مسافة تزيد عن عشرين متراً نحو خندق القلعة السحيق.

تطلّع المتمردون من النافذة، متوقعين رؤية ثلاث جثث مهشمة على الحجارة بالأسفل. لكنهم صُعقوا بمشهد لا يصدق. نهض الرجال الثلاثة، ينفضون ثيابهم، وبدأوا يركضون وهم يعرجون هرباً من وابل الرصاص الذي أطلقه المتمردون عليهم من الأعلى. لقد نجوا من موت محقق بأعجوبة.

تحولت نجاتهم فوراً إلى مادة لأشرس حرب دعائية في ذلك العصر.
فقد هللت الكنيسة الكاثوليكية وسارعت لإعلان ما حدث "معجزة إلهية"، مدعية أن العذراء مريم والملائكة هبطوا ليتلقوا الرجال البارين بأجنحتهم ويضعوهم برفق على الأرض، كدليل سماوي على صحة المذهب الكاثوليكي.
أما البروتستانت، فكان لهم تفسير آخر أكثر دنيوية وسخرية. قالوا إن الرجال نجوا ببساطة لأنهم سقطوا فوق "كومة ضخمة من روث الخيول" والنفايات التي كانت مكدسة أسفل نافذة القلعة، وأن تلك "الوسادة القذرة" هي التي امتصت الصدمة.

ومهما كان السبب (سواء تدخلت السماء أو تدخل الروث) فإن النتيجة كانت كارثية. هرع الناجون إلى فيينا لإخبار الإمبراطور بالإهانة التي تعرضوا لها. اعتبرت هذه الحادثة "إعلان تمرد" صريحاً، مما استدعى رداً عسكرياً ساحقاً.

لم يقتصر دور تلك السقطة على كونها حادثة اغتيال فاشلة ومضحكة، حيث كانت الشرارة الرمزية التي أشعلت برميل البارود الأوروبي، بعد سنوات من التوترات الدينية والسياسية المتراكمة. اندلعت على إثرها ثورة بوهيميا، التي تطورت تدريجياً إلى "حرب الثلاثين عاماً" (1618-1648)، وهي واحدة من أكثر الحروب دموية ووحشية في تاريخ البشرية، والتي دمرت مساحات واسعة من الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وأدت إلى خسائر سكانية هائلة في العديد من الأقاليم، وغيرت خريطة القارة للأبد. لقد أثبت التاريخ في ذلك اليوم أن نافذة واحدة في براغ كانت كافية لإدخال العالم في جحيم استمر لثلاثة عقود، وأن الكوميديا السوداء قد تكون أحياناً المقدمة الدامية لأفظع المآسي.

No comments:

Post a Comment