جلس الملك "تشارلز الأول"في منتصف القرن السابع عشر على عرش إنجلترا متدثراً بعباءة "الحق الإلهي"، معتقداً بصدقٍ مطلق أن سلطته مستمدة من السماء مباشرة ولا تخضع لمساءلة البشر. واجه هذا الكبرياء الملكي تياراً صاعداً وعنيداً عُرف بـ "البيوريتانيين" (التطهريين). وهم بروتستانت متشددون رأوا في طقوس الكنيسة الإنجليزية بذخاً يقترب من الكاثوليكية، وطالبوا بتطهير الدين والدولة معاً. تصاعد التوتر بين الملك الذي أراد المال والسلطة المطلقة، وبين البرلمان الذي يسيطر عليه البيوريتانيون ويرفض دفع الضرائب بلا تمثيل، ليتحول الجدال السياسي في عام 1642 إلى ساحات قتال مفتوحة، انقسم فيها الإنجليز إلى معسكرين: "الفرسان" (Cavaliers) المؤيدين للملك بشعورهم الطويلة وملابسهم الفاخرة، و"رؤوس البرلمان" (Roundheads) الذين قصوا شعورهم قصيرًا كرمز للتقشف والانضباط.
من قلب هذا الصراع، برز ملاك أراضٍ ريفي صارم يدعى "أوليفر كرومويل". أدرك كرومويل أن الحماسة الدينية وحدها تكفي لصنع جيش لا يُقهر، فأسس "جيش النموذج الجديد". آلة عسكرية احترافية تعتمد الترقية فيها على الكفاءة لا على النبل، ويخوض جنودها المعارك وهم يرتلون المزامير بصوت واحد. اكتسح هؤلاء "الجنب العارية" (Ironsides) القوات الملكية في معارك حاسمة مثل "مارستون مور" و"نيزبي"، محولين الميزان العسكري لصالح البرلمان، ومجبرين الملك تشارلز على الاستسلام، لتبدأ فصول المحاكمة التي هزت عروش أوروبا.
في سابقة تاريخية زلزلت العالم القديم، قُدم ملكٌ للمحاكمة بتهمة "الخيانة العظمى" ضد شعبه. وفي ظهيرة من شهر يناير 1649، سار تشارلز الأول بثبات نحو منصة الإعدام أمام قصر "وايتهول"، مرتديًا قميصين ثقيلين لئلا يرتجف من البرد فيظن الناس أنه يرتعد خوفاً. هوى الفأس، وتدحرج رأس الملك، ليعلن كرومويل قيام "الكومنولث" (الجمهورية)، مدشناً تجربة حكم ديني وعسكري فريدة.
بسط البيوريتانيون سيطرتهم على الحياة اليومية للإنجليز، ساعين لتحويل إنجلترا إلى "مدينة الله" على الأرض. أغلقوا المسارح التي اعتبروها بؤراً للرذيلة، ومنعوا المراهنات وسباق الخيل، وفرضوا قدسية صارمة ليوم الأحد. حكم كرومويل بلقب "سيد الحماية" (Lord Protector) بقبضة حديدية تجاوزت في قسوتها حكم الملوك السابقين، حيث قمع التمردات في أيرلندا واسكتلندا بوحشية مفرطة، وضمن استقرار الدولة عبر فرض الطاعة الكاملة للكتاب المقدس وللجيش.
وصل الهوس البيوريتاني بـ "تطهير" المجتمع من البدع إلى حد تجريم الفرح ذاته. فقد أصدر البرلمان في عهد كرومويل قوانين تحظر الاحتفال بعيد الميلاد (الكريسماس)، معتبرين إياه طقساً وثنياً وكاثوليكياً يشجع على السكر والنهم بدلاً من العبادة. أرسلوا الجنود لتفريق التجمعات العائلية، ومصادرة الأطعمة الاحتفالية، وإجبار المتاجر على البقاء مفتوحة يوم 25 ديسمبر، مما أثار سخطاً شعبياً واسعاً وأعمال شغب عُرفت بـ "شغب البرقوق"، لتصبح عودة الكريسماس لاحقاً أحد أهم رموز عودة الملكية والفرح إلى الجزيرة.
استمرت هذه الحقبة الصارمة حتى وفاة كرومويل عام 1658، حيث أدى انهيار النظام وتوق الناس لعودة مظاهر الفرح والتقاليد القديمة إلى استدعاء "تشارلز الثاني" من منفاه عام 1660، لتعود الملكية إلى إنجلترا، ولكن بصيغة جديدة تماماً. ملكية تحكم بالشراكة مع البرلمان، وتدرك أن الرقبة الملكية قابلة للقطع إذا تجاوزت حدودها الدستورية.
No comments:
Post a Comment