لعبة الكراسي السيادية: كيف فكك السيسي شيفرة المؤسسات التي أسقطت سلفه؟
السمة الأبرز في حكم عبد الفتاح السيسي للدولة المصرية هي قدرته الفائقة على تغيير القيادات
الأساسية والسيادية داخل "الجسم الصلب" للنظام؛ وهي المناصب التي اتسم التغيير فيها قبل ثورة 25 يناير بالندرة والثبات الطويل
ويبدو أن هذا النهج قد تبلور نتيجة إدراكه الشديد لملاحظتين فارقتين في قدرة المؤسسات السيادية على تغيير رأس الدولة؛ كما حدث في عام 2011 بتنحية حسني مبارك، وفي عام 2013 عبر "الانقلاب" على محمد مرسي,هذا الإدراك العميق هو ما دفعه لإجادة رسم وتعديل وتغيير هذه القيادات بشكل مرن جداً، بهدف "تفتيت مراكز القوى" ومنع تشكل أي كتل نفوذ مستقلة قد تهدد استقرار رأس السلطة
وفيما يلي أبرز التغييرات التي تمت في الجسم الصلب لهذا النظام
أولاً: المؤسسة العسكرية (وزارة الدفاع والأركان والمجلس العسكري)
شهدت وزارة الدفاع حركية غير مسبوقة بمرجعيات مهنية متنوعة، حيث تعاقب على المنصب خمسة قادة: بدأت بالفريق أول صدقي صبحي، ثم الفريق أول محمد زكي، وصولاً إلى الفريق أول عبد المجيد صقر (الذي استُدعي من سلك المحافظين)، لينتهي الاختيار عند الفريق أشرف سالم زاهر كخامس وزير دفاع في هذا العهد
وعلى صعيد رئاسة الأركان، توالى أربعة قادة (محمود حجازي، محمد فريد، أسامة عسكر، وأحمد خليفة)، مع ملاحظة استراتيجية فارقة وهي إنهاء تقليد تصعيد رئيس الأركان لمنصب وزير الدفاع؛ في إجراء احترازي لتقليص نفوذ "الرجل الثاني" وحصر طموحه
أما المجلس الأعلى للقوات المسلحة، فقد خضع لعملية "تطهير هادئة" أقصت جيل يناير 2011 ومرحلة المشير طنطاوي، ولم يستثنِ هذا المسار سوى اللواء ممدوح شاهين كحلقة وصل دستورية
وقد تزامن ذلك مع تعديلات تشريعية (2014 و2020) منحت الرئيس سلطة ضم أعضاء بقرار سيادي، والنجاح في تجاوز قيد "حصانة وزير الدفاع" الدستورية، ليتحول المنصب من موقع "محصن" إلى منصب خاضع تماماً لآلية التدوير الرئاسي
ثانياً: أجهزة الاستخبارات (العامة والحربية)
اتسمت إدارة المخابرات العامة بتغييرات مفصلية شملت أربعة رؤساء (محمد فريد التهامي، خالد فوزي، عباس كامل، وصولاً إلى حسن رشاد)، وسط تقارير تشير إلى فرض قيود على بعض المغادرين للمنصب لضمان انضباط "ما بعد الخدمة"
أما المخابرات الحربية، فكانت الأكثر ديناميكية بتغيير ستة رؤساء (محمود حجازي، صلاح البدري، محمد الشحات، خالد مجاور، محرز عبد الوهاب، وشريف صلاح الدين)؛ وهو ما يضمن عدم تشكل قواعد نفوذ داخل الجهاز الاستخباراتي الأكثر التصاقاً بالجيش
ثالثاً: مؤسسة الرئاسة والحرس الجمهوري
سجل ديوان رئيس الجمهورية تحولاً نوعياً بتعاقب خمس شخصيات، بدأت باللواءات (عبد المؤمن فودة، هشام الشريف، مصطفى الشريف، وأحمد علي)
ويمثل تعيين المستشار محمود فوزي خلفاً للأخير نقطة تحول تاريخية، كونه أول مدني يدير هذا المنصب الرفيع في عهد السيسي، مما يشير إلى رغبة في تطعيم الديوان بصبغة قانونية-سياسية
في المقابل، ظل منصب قائد الحرس الجمهوري الأكثر استقراراً؛ حيث احتفظ الفريق أول محمد زكي بموقعه لسنوات طويلة، تلاه اللواء أحمد علي لفترة وجيزة، ثم اللواء مصطفى شوكت المستمر في مهامه منذ عام 2019 وحتى اليوم في عام 2026
رابعاً: المنظومة الأمنية (وزارة الداخلية والأمن الوطني)
يُعد منصب وزير الداخلية الأقل تغييراً ضمن مفاصل "الجسم الصلب" للنظام، حيث تعاقبت عليه ثلاث شخصيات فقط؛ بدأت باللواء محمد إبراهيم الذي عاصر أحداث يونيو وفض الاعتصامات، تلاه اللواء مجدي عبد الغفار القادم من جهاز الأمن الوطني لإعادة هيكلة الوزارة، وصولاً إلى اللواء محمود توفيق المستمر في منصبه حتى الآن، والذي استمد قوته من خلفيته في مكافحة الإرهاب وتثبيت دعائم الاستقرار الأمني.
أما قيادة جهاز الأمن الوطني، فقد اتسمت بديناميكية تضمن السيطرة المعلوماتية الكاملة، حيث تعاقب على رئاسته عدة لواءات أبرزهم خالد ثروت، ثم مجدي عبد الغفار الذي صُعد لاحقاً للوزارة، تلاهما اللواء محمود شعراوي، ثم اللواء علاء عبد الظاهر، وصولاً إلى اللواء عادل جعفر الذي حافظ على استقرار الجهاز لفترة طويلة، وصولاً إلى القيادة الحالية التي تواصل إدارة الملفات الأمنية والسياسية الحساسة للجهاز.
خامساً: أبناء الرئيس.. عيون الرئاسة داخل الأجهزة السيادية
العميد محمود السيسي (المخابرات العامة): يُعد الرقم الأهم في معادلة "الجسم الصلب" للنظام، حيث يشغل منصباً رفيعاً داخل جهاز المخابرات العامة (نائب رئيس الجهاز فعلياً)؛ وقد لعب دوراً محورياً في عمليات إعادة الهيكلة وتدويـر القيادات التي شهدها الجهاز، ويُنظر إليه كحلقة الوصل المباشرة والأكثر ثقة بين رئاسة الجمهورية وجهاز المعلومات الأول في الدولة، كما يُنسب إليه إدارة العديد من الملفات السياسية والإعلامية الحساسة
المستشار مصطفى السيسي (هيئة الرقابة الإدارية): يتواجد في هيئة الرقابة الإدارية، وهي الجهاز الذي تصاعد نفوذه بشكل غير مسبوق في عهد السيسي لتصبح "جهاز المعلومات الموازي" الذي يراقب أداء المسؤولين والوزراء؛ وجوده هناك يعزز من قدرة مؤسسة الرئاسة على ضبط إيقاع الجهاز الإداري للدولة وضمان الشفافية والولاء داخل دواوين الحكومة
العميد حسن السيسي (المخابرات العامة): انضم مؤخراً للعمل في قطاع الشؤون الفنية بجهاز المخابرات العامة، مما يعزز من الوجود الأسري داخل أروقة الجهاز، ويضمن إشرافاً مباشراً على ملفات تقنية ومعلوماتية بالغة الأهمية
لا يهدف وجود الأبناء داخل هذه الأجهزة إلى "التوريث السياسي" بالمعنى التقليدي (رئاسة الدولة)، بل يهدف إلى خلق "شبكة أمان معلوماتية" تضمن لرأس السلطة اطلاعاً لحظياً وموثوقاً على ما يدور داخل الأجهزة التي تملك القوة والأدوات؛ وبذلك تكتمل معادلة "التدوير والتحجيم": قيادات متغيرة باستمرار في الواجهة، يقابلها استقرار رقابي لعناصر العائلة في العمق


No comments:
Post a Comment