كان عبدٌ من عبيد القصر، يُدعَى "سالمًا"، لا يُذكَر إلّا عند النداء على الأثقال أو تنظيف الإيوان. عاش عمره في ظلِّ الأعمدة العالية، يَعدُّ خُطى الأسياد ولا يرفع رأسه، كأنما قُدِّر له أن يظلّ ظلًّا لا يُرى.
حتى جاء اليوم الذي دخلت فيه الأميرةُ "ليلى" إلى مكتبة القصر. مكتبة مترامية الجدران، كأنها غابة من أوراقٍ صفراء، وأرففٍ تئنُّ بحِمل القرون. كانت هي، بثوبٍ من ديباجٍ أبيض، تُشبه صفحةً لم يكتبها الزمان بعد.
لم تلتفت إليه أول الأمر، غير أنّ وقعَ خُطاها كان يَخترق صدره اختراقًا. كلُّ رفٍّ بينه وبينها صار كحاجزٍ بين قلبه والسماء. حاول أن يخفض بصره كعادته، فإذا به يرفعه بغير قصد، فتلتقي عيناه بظلٍّ من ابتسامتها، كأنها سمعت اعترافًا لم ينطق به.
وقفت عند مخطوطٍ قديم، وأخذت تقلّب أوراقه، فقالت بصوتٍ يخرج من بين أنفاسها كترتيلٍ مسحور:
ــ ما أثقل هذا الغبار على التاريخ، كأنّه يريد أن يُطفئ نور الحكايات.
ولم يدرِ كيف خرج صوته من فمه، لكنّه وجد نفسه يجيب، بجرأة لم يعهدها:
ــ وما التاريخ إلا غبارٌ يحاول أن يخفي وجوه العاشقين، فلا يَثبت منهم إلا من قاوم النسيان.
توقّفت، ونظرت إليه، كأنها تسمع من عبدٍ ما لا ينبغي لعبدٍ أن يقول. كانت عيناه متوهجتين، صادقَتين كجمرٍ لم يُطفَأ. وفي تلك اللحظة، لم ترَ فيه عبدًا، بل إنسانًا يَرتجف من وطأة السرّ الذي لم يُصرّح به.
ومنذ ذلك اليوم، صارت المكتبةُ موعدًا خفيًّا: هي تأتي لتقرأ، وهو يتظاهر بترتيب الكتب، لكنّ الكلمات كانت تتسرّب بينهما كما تتسرّب قطرات الماء في صخرةٍ عطشى. هو لا يملك إلا صوته، وهي لا تملك إلا حلمها، لكنّ الحكاية كانت أكبر من القيود، وأبقى من جدران القصر.
مرّت الأيام، والمكتبةُ صارت ساحةً لمعارك خفيّة. لم تكن الحروف على الأوراق هي ما يُقرأ فحسب، بل كانت العيون تقرأ العيون، والأنفاس تترصّد الأنفاس.
كان سالم، العبد، يضع يده على الرفوف العالية لينفض الغبار، بينما قلبه يرتجف كأنه يَمدّ يده إلى نجمةٍ بعيدة. وكانت الأميرةُ ليلى، بجلالها الرقيق، تميل إلى الكتب فلا تلتقط إلا إشاراته المواربة.
في إحدى الأمسيات، حينما هدأت أصداء القصر وغرقت الردهات في صمتٍ مهيب، قالت له فجأة:
ــ "يا سالم… ما الذي يجعل قلبك يضطرب كلّما وقفتُ هنا؟"
تجمّد، كأن الأرض انشقت تحته. هو عبد، وكلُّ كلمة قد تجرّ عليه الهلاك. لكنه وجد نفسه يبوح، لا بلسانه فقط، بل بروحه كلّها:
ــ "لأنني أرى فيكِ كلَّ ما لم يَسمح لي العمر أن أراه… أرى الحرية، وأرى نفسي كما لم أعرفها من قبل."
سكتت طويلًا، ثم أطبقت المخطوط بين يديها وقالت بصوتٍ متردّد:
ــ "لكنّك عبدٌ… وأنا أميرة. والقصرُ كلّه سورٌ من الحديد، لا نافذةَ فيه إلّا الوهم."
اقترب خطوة، خطوة واحدة فقط، ثم همس:
ــ "الوهمُ أكرم من حياةٍ بلا قلب. إن كنتِ سرابًا، فسأمشي خلفكِ حتى آخر عطشي."
في تلك اللحظة، شعرت ليلى أن كل ما حولها من أبهةٍ وزينةٍ مجرد أثقالٍ على روحها. رأت في عينيه صدقًا لم تره في مرآة قصور الملوك ولا في مجالس الأمراء. هو لم يملك سوى صوته، لكن صوته كان وطنًا، وكان وعدًا بأنّ الإنسان لا يُقاس بدمه ولا بنسبه، بل بما يَحمله من نارٍ لا تنطفئ.
ومع ذلك، كان الخوفُ يقف بينهما كحارسٍ غليظ. فما الحبُّ في القصور إلا جريمةٌ إذا اجتمع عبدٌ وأميرة. كانت تعرف أنّ الاعتراف به علنًا قد يُشعل نارًا لا يطفئها سوى الدم. وكان يعرف أنّ البقاء في الظلّ موتٌ بطيء.
ومع توالي اللقاءات، صار قلب سالم سجينًا لا يطيق سجنه، وصارت ليلى أسيرةً لحلمٍ يكبر حتى يغدو خطرًا.
وفي إحدى الليالي، حين انطفأت القناديل ونام الحراس، مدّت الأميرة يديها على الرفّ الأعلى لتسحب كتابًا، فإذا بيدها تلامس يده. لحظةٌ قصيرة، لكنها كانت أصدق من كلِّ القصائد، وأشدّ وقعًا من كلّ الاعترافات.
ومنذ تلك الليلة، أدرك كلاهما أن الطريق قد بدأ؛ لا سبيل للعودة، ولا نهرٌ يُعيد ماءه إلى منبعه.
Waleed yosry

No comments:
Post a Comment