اشتعلت سهول شمال الصين عام 1900 بحمى روحية وقتالية غير مسبوقة. خرج آلاف الفلاحين والرهبان من قراهم، يرتدون الأوشحة الحمراء ويمارسون طقوس "الكونغ فو" التقليدية، مطلقين على أنفسهم اسم "قبضات الوئام والعدالة" (الملاكمون). آمن هؤلاء الرجال إيماناً راسخاً بأن ممارسة طقوس معينة، واستحضار أرواح الأسلاف، وابتلاع التمائم المحترقة، يمنح أجسادهم حصانة سحرية ضد رصاص الغزاة الأجانب. زحفوا نحو بكين لمحاصرة الحي الدبلوماسي، مدفوعين بكراهية عميقة للتكنولوجيا الغربية. فدمروا خطوط التلغراف، واقتلعوا قضبان السكك الحديدية، واعتبروا الآلة تدنيساً لروح الأرض المقدسة، مفضلين مواجهة المدافع بالصدور العارية والسيوف القديمة.
جاء الرد قاسياً ومحطماً لكل الأوهام. إذ واجهت القوى الثمانية المتحالفة (الغربية واليابانية) هذا المد البشري الروحي ببرود "آلة القتل" الصناعية. حصدت رشاشات "مكسيم" ومدافع "كروب" صفوف الملاكمين حصداً، ومزقت الرصاصات الحديثة الأجساد التي ظن أصحابها أنها محصنة. سقطت بكين، ودُنست المدينة المحرمة، وأُجبرت الإمبراطورية على توقيع "بروتوكول بوكسر" المذل، دافعةً تعويضات باهظة. تركت تلك الهزيمة درساً محفوراً بالكيّ في الذاكرة الصينية: "الروح القتالية وحدها، مهما عظمت، تتحطم دائماً أمام التفوق التكنولوجي والميكانيكي".
استوعبت الصين الحديثة هذا الدرس المرير بامتياز، واتخذت مساراً معاكساً تماماً لما فعله أجدادهم الملاكمون. فبدلاً من تدمير الآلة، قررت الصين أن تصبح هي "سيدة الآلة". حيث تحولت بكين إلى أكبر مصنع لها على وجه الأرض.
تُرجم هذا الوعي التاريخي المرير إلى سياسات دولة صارمة عبر عقود متتالية من البناء والتحديث. فمع استقرار الجمهورية الشعبية، أطلق الزعيم "دينغ شياو بينغ" في أواخر السبعينيات سياسة "الإصلاح والانفتاح"، محولاً الجغرافيا الصينية إلى "مصنع العالم" بالاعتماد المطلق على الكثافة البشرية الهائلة. ومع تعاظم القوة الاقتصادية وتراكم الثروات، واجهت بكين تحديات ديموغرافية حديثة فرضت شروطها بقسوة، تمثلت في شيخوخة السكان وتقلص أعداد الأيدي العاملة الشابة، بالتزامن مع احتدام المنافسة التكنولوجية الشرسة لانتزاع السيادة العالمية. فرضت هذه المعطيات الواقعية انتقالاً استراتيجياً حاسماً، فدشنت الحكومة خططاً قومية كبرى مثل "صنع في الصين 2025" لضخ تريليونات الدولارات في أبحاث الأتمتة، ناقلةً ثقل الدولة من الاعتماد على عضلات العمال المرهقة إلى الاستثمار في مفاصل الروبوتات التي لا تعرف التعب.
اليوم، تتصدر الصين العالم في سباق الروبوتات والذكاء الاصطناعي، محققة "ثورة الملاكمين" بنسختها الرقمية المنتصرة. تمتلئ مصانع "دلتا اللؤلؤ" بجيوش من الأذرع الروبوتية التي تعمل بلا كلل، وتطور الشركات الصينية روبوتات بشرية (Humanoids) وأنظمة قتالية مسيرة تنافس، بل وتتفوق، على أعقد ما في الترسانة الغربية. لقد استبدلت الصين تعاويذ الحماية القديمة بخوارزميات الأمن السيبراني، واستعاضت عن استحضار الأرواح بتطوير "الذكاء الاصطناعي".
يمثل صعود "التنين الرقمي" اليوم الرد التاريخي المعنوي على مذبحة عام 1900. فالدولة التي كادت أن تفنى لأنها واجهت البارود بالقبضات العارية، باتت تؤمن اليوم بأن "الخلاص الوطني" يكمن في الشرائح الإلكترونية والمفاصل الهيدروليكية، جاعلة من الروبوت الدرع الحديث الذي يضمن ألا يتكرر "قرن الإذلال" مرة أخرى.

No comments:
Post a Comment